الأحد، 12 ديسمبر 2010

من حماية قلة حكم (النظام) إلى حماية المؤسسات الدستورية

من مهام القوات المسلحة حماية الشرعية الدستورية، ويقصد بهذا اللفظ أشياء عديدة، أولها الحفاظ على القيم الدستورية للدولة، واحترامها، وضمان عدم الافتئات عليها، وثانيها الحفاظ على مؤسسات الدولة التى يعينها الدستور من الاعتداء على مهامها ووجودها، وثالثها صيانة التوازن بين المؤسسات التى يقوم عليها بنيان الدولة. والقوات المسلحة حين تقوم بذلك تنتهج آليات حماية للعمليات السياسية تتسم بالتزام الحياد السياسى، وتبدا بإعلان بدعم القوات المسلحة لنتائج العملية السياسية أى كانت، باعتبارها ترجمة للإرادة الشعبية التى تمتثل القوات المسلحة بأمرها. وتؤكد أنها تضمن العملية السياسية فى صيرورتها القانونية واجراءاتها، بدون أى تدخل فى دولاب تداول السلطة.

ومثال ذلك أن تحمى القوات المسلحة وجود انتخابات نزيهة، تعبر بوضوح عن إرادة أغلبية الأمة، والحماية هنا - من منظور الحياد السياسى- تعنى أن يكون الجيش مستعدا إذ ربما تستدعى الحاجة حمايته للانتخابات من ممارسات قلة عنف، أو افتئات فصيل سياسى علي إجراءاتها خروجا على صحيح القانون.

ومؤسسة القوة إذ تقوم بدورها هذا تراعى ان تدخلها للحماية يكون ملاذاً أخيراً، حيث تعطى الاعتبار الواجب لوجود مؤسسات داخلية لها أدوار حددها القانون تختص بدارة وحماية العملية الانتخابية. وعندما نقول ملاذ أخير نقصد بذلك أن جزء من أهمية حماية المؤسسات الدستورية يتأتى من احتمال وجود خطر من داخل المؤسسات نفسها، حين تقع أفعال بعض القطاعات التنفيذية بعيدا عن جادة الدستور، وت ممارساتها معيقة للتداول الحر للسلطة، وبعيدة عن الروح الديمقراطية بغرض ترجيح قلة مهيمنة على حساب الإرادة الشعبية.

وهذا أمر يكاد يكون غير متصور فى الديمقراطيات، لكنه يحدث مرارا وتكرارا للأسف الشديد فى دول الاستبداد، حيث تتكرر وقائع هيمنة الجهاز البيروقراطى على العمليات السياسية واجراءات الانتخابات التى يجرى افسادها. تحيد حركة القطاعات التنفيذية عند تحالفها مع قوة سياسية بعينها وخروجها - وهى الحامية للقوانين والمطبقة له- عن قواعد الحماية التى يفرضها االقانون. أجهزة الإدارة التى تتحيز لقوة مهيمنة وتدير لصالحها عملية تزييف لإرادة الأمة هى بالضورة تعيق قيام البناء الديقراطى السليم، وتضع نفسها فى تحد صرح مع مهمة القوات المسلحة فى حماية الشرعية الدستورية.

أكثر التناقض يحدث من عدم التزام أجهزة الامن الداخلى للحياد، وهى الأجهزة التى تشاطر القوات المسلحة جزء من احتكارها لأدوات العنف (السلاح) وتتمتع بسلطات تبيح لها الايقاف المؤقت للحريات. وهذه الأجهزة سبب طبيعة عملها وحركتها التى تجعلها منخرطة يوميا فى الشئون العامة، وبسبب بنيان هذه الاجهزة الذى قد يشمل وحدات للرقابة على القوى السياسية وتأمين قيادة الدولة، تتورط فى ممارسة أدوار لا حمائية. .بما يهدد صحة العملية. فى الديمقراطيات توضع قوة الأمن طوال فترة العملية الانتخابية تحت سلطة جهة إدارة الانتخابات وهى عادة جهة قضائية مستقلة، لكن ما يحدث فى النظم الاستبدادية انها لا تأتمر بأمر هذه السلطة، وتتخطاها، وتهيمن عليها وتحرص على أن تشكل على نحو ضعيف وغير مستقل. فتخرج الممارسات عن نطاق الحماية المحدد لسلطة الأمن لممارسات الاعاقة والترهيب بل وإدارة أعمال التزوير بنفسها.

والحقيقة أنه عدم انخراط المؤسسة العسكرية ضمن فريق المتحيزين ممن يمثلون بعض المؤسسات العامة، المتورطين فى محاباة فريق سياسى بعينه، والتزامها المسار الحيادى إزاء عملية التنافس السياسى الشرعية، هو الضمانة الأكيدة لصحة العملية السياسية، ويجعل منها صمام أمان دستورى. وحيادها ويقظتها الدستورية يمكناها وبقوة من ترسيخ البناء الديمقراطى عبر وأد أية تطلعات استبدادية لأى فصيل سياسى يدير استراتيجية هيمنة سياسية خروجا على القانون. ففى حال افتئات المؤسسات العامة على صحيح الانتخابات تستطيع القوات المسلحة من منظور حفاظها على الامن القومى ان ترفع راية الاعتراض على الممارسات المخالفة، فذلك من مقتضيات اضطلاعها بدورها فى حماية الشرعية الدستورية.

وقد يرى البعض أن هذا الامر حال وقوعه سيمثل أزمة سياسية، لكن الحقيقة أنه لا يتصور وصول الأمور لحد المواجهة، طالما أن الجيش فى وضعيته المحتكرة لاستخدام أدوات العنف، قد أعلن توجهه بالتزام القواعد الدستورية، وإعلانه الصريح أنه يضمن تحقق الإرادة الشعبية التى تترجمها صناديق الاقتراع.

والمؤسف حقاً أنه فى أغلب الدول النامية تجد أن جذر الاستبداد يبدأ من أرض القوات المسلحة للدولة، التى تتخلى قيادتها عن دورها الحيادى الضامن للديمقراطية. والأمر يتجاوز القادة الافراد، فثمة عيوب هيكلية فى بناء القوات المسلحة، بما يجعل لقوة سياسية وطبقية بعينها قدم الهيمنة عليها ويسهل افقادها قدرتها على الوقوف بعيدا عن جبهة انحياز سياسى. إن منح ثقل القوات المسلحة لفصيل سياسى خلال عملية المنافسة السياسية يهمش القانون، ويجعل عملية المنافسة صورية، ويجعل من إرادة الأمة إرادة وئيدة، ويلغى كل قدرة للمجتمع على الاصحاح الذاتى، وعلى التقدم والنهضة، ويشكل هذا بدوره بيئة مثالية لاحتضان الفساد والاستبداد.

المتابعون