الثلاثاء، 20 مايو 2014

اليوم وليس غدا: العسكر من الالتفاف إلى المواجهة المباشرة مع المطلبية الديمقراطية

رغم التعثر الراهن في المسار الثوري أرى بعض أمل فيما يحدث؛ قبل سنوات، كان من الصعب تنبيه المصريين للدور السلبي لزمرة القيادة العسكرية المهيمنة على القرار السياسي وللآثار السلبية على الإصلاح الديمقراطي جراء هذا النمط من إدارة العلاقات المدنية العسكرية، وإرث دولة ناصر الذي ضخمه مبارك لحدود رهيبة.

حتى النخبة السياسية لم تكن لتمنح هذا الأمر الانتباه الواجب. وخلال سني النضال ضد مشروع التوريث، ظل قطاع معتبر منها لا يرى الأسس الهيكلية التي يقوم عليها بنيان الاستبداد المباركي، ولا يستطيع تفهم جذور التفاوت في توزيع الثروة وتشويه بنية التوزيع بتكوين فئة محاسيب تهيمن على الثروة، وتختلط عضويا مع مكون دفاعي وأمني. لم يتم التنبه لهذا التحالف وفضلت تجاهل الفيل القابع في حجرة السياسة المصرية. المكون الاستبدادي الذي مثله هذا التحالف كان يضمن تحصيل النصيب الأوفر من العوائد الاقتصادية وبوسائل فساد جرى تقنين معظمها، وامتلك التحكم - عبر آليات الاستبداد الأمني الذي تديره مراكز المخابرات الداخلية والعامة - في مجمل التفاعلات السياسية سواء الاعتيادية منها كالتنافس الانتخابي، والعمل الحزبي، أو غير الاعتيادية كحركات المطالبة بحقوق المرأة أو احتجاجات العمال والمهنيين، بما يبقيها جميعا عند حدود لا تهدد نمط التوزيع هذا.

أذكر أنه من 2008 قد تنبهت لها وأخذ فهمي لدقائق القضية يتضح، وبدأت في التحدث عنها مع من أعرف من باحثي السياسة والمعنيين بالتطور الديمقراطي، عن مفاهيم الرقابة الديمقراطية، وضرورات دمج مسألة هدف حياد القوات المسلحة السياسي في آجندة التغيير، ووجهت وقتها بانتقادات شديدة لمجرد تناول هذا الأمر، هذا رغم توالي دلائل دعم القوات المسلحة السياسي لمبارك منذ انتخابات 2005، وكسر حيادها المصطنع.

كان من يتحدثون عن دور القوات المسلحة قليلون مهتمون بقضايا مهمة لكنها جزئية، دون التطرق للمدخل المتسع للرقابة الديمقراطية الذي صار نهجا عالميا في ضبط العلاقات المدنية العسكرية.

كنت أدرك أثر تهروء بنية البرلمان وديكورية دوره وغياب أي دور حقيقي لأجهزة الرقابة المالية والإداريةىفي الدولة ناهيك عن دور رقابي شعبي من أي نوع، وكيف أنها تحد من التفكير في هذا المدخل والنهج.

كان تلقي همسي حول دور الجيش وضرورة الرقابة البرلمانية سلبيا حتى من بعض أقطاب حركة كفاية، ورموز يسارية مرت بتجربة الناصرية ومرحلة السادات، حتى هذا الاعراض وقع من بعض شباب المدونين الحركيين وناشطين حقوقيين نابهين. فلما بلغ بي القنوط مبلغه رميت ما لدى من نصوص في مدونة "الجيش والديمقراطية" التي خرجت للنور في نهايات 2009، ولم يلتفت أحد إليها.

ثم جاءت الثورة بالبينة؛ وتتالت شواهد الدور السالب للزمرة العسكرية من حماة مبارك ورجاله، إذ وقعت احداث وتطورات في سياق حركة الجماهير لانفاذ مطلبية الثورة، بينت للأعمى استراتيجية هذه الزمرة للالتفاف على المطلبية بنفيها وتسويفها، وإدارتهم لثورة مضادة غايتها حرف مطلبية الديمقراطية والحقوق والحريات عن مسارها لما فيها من تهديد لسلطتهم الواسعة وانهاء لمزاياهم واحتكاراتهم الاقتصادية.

وجاءت تحالفاتهم مع الاتجاهات المتشددة واصطناع الوهم حول أهداف الثورة وتديبن جزء من الصراع وقلبه لصراع هوياتي وطائفي ووصم لمطلبيات العدالة الاجتماعية و إعادة التوزيع بأنها "فئوية" مع إدارة حرب دعائية ونفسية غاية في الانحطاط على الشباب الثائر الذي ملك سلطة الشارع والإيغال في دمائهم بما خلف شهداء ومصابين ومعتقلين كثر.

ومع كل موجة ثورية كانت تدور آلة الخداع ومحاولات التستر خلف بنى سياسية مدنية الوجه، وتحالفات مؤقتة تحميهم من موجات الغضب، أهمها كان مع الإخوان ممن غازلت زمرة العسكر طموحاتهم السلطوية وميولهم الدولتية، مع تقليص الخيارات السياسية التي تخرج من رحم الحراك الجماهيري، وحجب كل ما يوسع من وتيرة الإصلاح الديمقراطي منها وتحطيم قواعده.

تحولت استراتيجيات الالتفاف إلى المواجهة المباشرة خين آل الأمر إلى صراع بين المتحالفين ضد الثورة؛ صدام داخل المعسكر السلطوي.

صراع "اثنين ضد واحد": سلطوية العسكر وسلطوية الإخوان من جهة، في وجه قوى يناير الثورية الديمقراطية، احتدم وصار ثلاثيا مع الثلاثين من يونيو. كانت قدرة العسكرتاريا قد تضخمت وبدت الموجة الثورية في وجه نظام مرسي المهترئ كموجة يمكنها حمل حلم اكمال الالتفاف على الثورة. فجاء مع الثالث من يوليو ليكبح حركة الجماهير التي بدأت قبل الثلاثين من يونيو وحتى قبل "تمرد" التي لم تكن إلا عنوانا إعلاميا جرى تضخيمه، فيما كانت احتجاجات الجماهير الواسعة ضد مرسي تنال من سلطة الاخوان في قرى ومدن مصر على اتساعها. هذا بعدما وقعت قطيعة الخامس من ديسمبر المعروفة بأحداث الاتحادية وحاول المكون الدفاعي والأمني حماية مرسي خلالها. كان مرسي الذي بدأ حكمه بأقنعة ديمقراطية زائفة قد أسفر عن الوجه السلطوي لجماعته مع تزايد الاحتجاجات ضده وتضعضع قدرته في السيطرة على المشهد السياسي. ولم يتردد قادة جماعته في التلويح بتحرك فاشي ميليشيوي الطابع ضد هذه الاحتجاجات وبحجة حماية الرئيس من مؤامرات القوى السياسية.

المواجه بين مرسي والثوريين الديمقراطيبن جرى استثمارها (لا خجل من القول بأنه جرى تسخينها والدفع بوتيرتها) من السلطوية الأخرى، سلطوية العسكر. التى وجدت الفرصة سانحة لقيامهاﻻبخطوة التفافية جديدة ولتعرض دعم الحركة المناوئة لمرسي التي انتهت بالفعل لخيار اسقاطه، وذلك في مقابل مقعد في ترتيبات ما بعد مرسي. ومع الثالث من يوليو عاد وجه الالتفاف وفض التحالف الهش مع الديمقراطيين وضرب الحركة الثورية على نحو ما جرى بعد خلع مبارك، لكن هذه المرة بوتيرة أسرع وبروح انقلابية لا على مرسي ولكن على الحركة الديمقراطية.

اليوم تستثمر الزمرة العسكرية المنتشية بتمكنها من خنق الحراك الثوري المؤسسة العسكرية كرافعة لطموحاتها السياسية والاقتصادية. حتى أن مرشحها المعلن ورجلها القيادي قد أجل أي صناعة لقواعد حزبية وحركية تدعمه في المنافسة الانتخابية، معتمدا فقط على المؤسسة وما تستطيع تقديمه مكوناتها المخابراتية المنخرطة في العمل السياسي منذ أيام مبارك. فعاد الاستخدام سافرا لبقايا الشبكات السياسية للحزب الوطني دون رجوع الحزب نفسه وترغيب الموالين من محاسيب (رجال أعمال) مبارك لدعم ايصال رجلهم لمقعد الحكم بوجه ديمقراطي.

اليوم مع ترميز السيسي كزعيم جماهيري وحام من خطر الإرهاب، يقف الجيش في المواجهة أمام المنادين بديمقراطية حقيقية وعدالة اجتماعية وتوزيعية معتبرة. يقف ويطلب السلطة بقوة السلاح وفزاعات الأمن (وهنا ننوه أنه قد غذاها أداء الإخوان الفاشي في السلطة واستمرار ذلك - حتى بعد اكتمال مظلوميتهم بمذبحة رابعة - من خلال توهمات العودة وسذاجات إنهاك الحركة السياسية علاوة على احياء دور جماعات العنف الديني في سياق حركتهم الإقليمية).

يحمل السيسي آجندة سياسية لا تختلف في رطانتها الإصلاحية عما كانت تلوكه زمرة جمال مبارك ( ولا عجب فهم نفس من يتحلقون اليوم حول السيسي). وليست العودة لخيار وراثة المؤسسة لسلطة مبارك (رهانات عمر سليمان) وفق التصور الإصلاحي الشكلاني لجمال مبارك إلا استمرارا منطقيا بالغ الاتساق لمسيرتهم منذ اليوم الأول للثورة. وهذا سقف ما يقدمه تحالف الهيمنة على الثروة والسلطة. ويحمونه بعناصر القوة الناعمة والخشنة وعلاقات دولية يعنونها تعاضد أعضاء نادي الاستبداديات الشرق أوسطي وتحالفاته مع المنظومة الرأسمالية العالمية.

لا مجال لمكاسب سياسية دون نضال مباشر ضد هذا الدور التدخلي للمؤسسة العسكرية وفض تحالف زمرة قيادتها مع محاسيب النظام القديم واحتكاراته الاقتصادية التي تعمل عبر واجهة الجيش وإعادة رسم العلاقات المدنية العسكرية على نحو ديمقراطي في القلب منه فرض حياد المؤسسة السياسي كحد عليها وعلى أفرادها وتطبيق منظومة فاعلة للرقابة المدنية عليها تعضد مبدأ السيطرة المدنية، كل هذا في سياق هيكلة حقيقية للمجال السياسي توقف مهزلة التنظيمات السرية والتدخلات الإقليمية وتمنع العنف كوسيلة لإنفاذ الإرادة السياسية في ظل حكم القانون وحقوق الإنسان وتسيد الإرادة الشعبية.



المتابعون