إن واحدة من الظواهر الأساسية في تحليل بنية النظام السياسي وأليات إعادة انتاج الاستبداد في مصر هي المساندة اللا محدودة من مؤسسات القوة للقلة الحاكمة، والتدخل الخشن، اوالتلويح به، من قبل مؤسسات القوة فى الدولة. المؤسسات المحتكرة للعنف هي الذراع الأبرز للقهر السياسي، ولا يمكن تفكيك منظومة الاستبداد إلا بالعمل علي انهاء هذه المساندة واعادة مؤسسات القوة، جيشا وشرطة ومخابرات لتكون دروعا للديمقراطية. وهذا ليس بالحلم صعب المنال، بل صارت حيادية مؤسسات الدفاع والامن صيانة للديمقراطية، وباتت أدوارها الحامية للعملية السياسية - دون التدخل فيها او توجيهها - من الرواسخ التي يقوم عليها عمل الديمقراطيات حول العالم. والمدخل لهذا كله هو تأكيد ملكية الشعب لقواته، من خلال مقرطة المؤسسات الدفاعية والأمنية، وترسيخ أسس الحكم الرشيد، والنزاهة فيها مع تعزيز الرقابة البرلمانية والشعبية وإعمال اطر قانوينة ومؤسسية لمكافحة الفساد في هذا القطاع .
تشير تجارب التحول الديمقراطي، وتفكيك نظم الفساد لحقيقة ان قطاع الدفاع هو واحة الفساد الكبري. ذلك لتشكله من مؤسسات حكومية محاطة بأسوار السرية بشكل كامل، ولا يتاح فتحها للفحص والمراجعة والتدقيق سواء للمجتمع أو من داخل مؤسسات الدولة نفسها التشريعية الرقابية، ولا حتي من داخل مؤسسات السلطة التنفيذية ذاتها. ضرب أسيجة السرية حول هذه المؤسسات وبهذه الصورة يصعب تبريره بضرورة فرض السرية علي بعض أنشطة الدفاع، خصوصا وأن مؤسسات الدفاع في بلادنا قد توسعت في أنشطة غير دفاعية وتسلحية، من أفران الخبز، لتوريد مركبات الاسعاف، لانتاج الأجهزة المنزلية، لإدارة محطات الوقود والسوبر ماركت والفنادق. والرقابة علي الأنشطة السرية للقوات المسلحة وأجهزة الأمن قد تطورت آلياتها فى العالم أجمع وصارت هناك ضمانات أفضل لحماية الأسرار العسكرية دون ترك هذا القطاع بغير رقابة، من خلال خلق ضمانات وأليات لعدم الجنوح والفساد والتغول السياسى في هذه المؤسسات. إن إساءة استخدام السلطة في قطاع الدفاع والأمن الذي يمتلك أضخم ميزانية ضمن قطاعات الدولة ويقوم بأكبر علميات التوريد والشراء ويمتلك بسلطة القانون توجيه أدوات القهر والعنف، هي جريمة ولها ضحايا، فكل مليم مختلس أو مهدر أو ذهب في غير موضعه هو هدر لموارد عزيزة في بلد فقير يئن نصف شعبه تحت وطأة الفقر ويقع قطاع كبير منه تحت تهديد المرض والأمية والعوز، وكل ممارسة سالبة لحريات افراد الشعب لا تستند للقانون وتحركها نوازع القهر والاستبداد الفساد واغراض النفاق الشخصي هي بالضرورة تحيد بهذه المؤسسات عن واجبها في الدفاع عن أمن مصر وشعبها. ولا حاجة لنا للقول بأن استشراء الفساد وعدم الرقابة يخلقان بيئة أمنية بالغة الخطورة تقل معها ثقة الشعب في مؤسساته التي أوكلها وأفردها بسلطة استخدام القوة وأدوات العنف من أجل حمايته والزود عن أمنه ومصالحه العليا.
من هنا تجئ فكرة هذه المدونة، لوضع مسألة الرقابة الديمقراطية على قطاع الأمن والدفاع في قلب الجدل حول مستقبل مصر، ولتوجيه النظر لحقائق العلاقات المدنية العسكرية داخل جهاز الدولة، وللدعوة لإعادة المؤسسات الدفاعية والأمنية للقيام بواجباتها فى حماية الديمقراطية كمصلحة عليا لمصر وقضية أمن قومي أولي، مع إيضاح عناصر هذه الحماية وسبل انجازها.