‏إظهار الرسائل ذات التسميات الرقابة الديمقراطية علي مؤسسات الدفاع، الاصلاح، ترسيخ الديمقراطية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الرقابة الديمقراطية علي مؤسسات الدفاع، الاصلاح، ترسيخ الديمقراطية. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 20 ديسمبر 2009

أونثق في الجيش؟

يشير مقياس الفساد العالمي 2007 أن الجيش في العديد من البلدان يحظي بثقة واحترام بالغين وعادة ما يضعه الناس في مكانة عالية.. ونعلم أن هذا هو الحال فى مصر. ومن المعروف أننا ننظر جميعا لجيش مصر على أنه الأقل فسادا، ونثق فيه، وثقة المجتمع هذه هي نقطة بداية جيدة لتعزيز النزاهة وحكم القانون فى قطاع الدفاع وكذلك فى مؤسسات الأمن، وهي مدخل فعال لوضع الجيش في موقع ريادي يقود من خلاله جهود مكافحة الفساد وترسيخ حكم القانون داخل الدولة.

إذا كان الحال هو ثقتنا الكبيرة فى الجيش ومؤسسات الدفاع (وربما هذا على النقيض مع مؤسسات الأمن الداخلي) فلماذا إذن نحمل هذا القلق علي مؤسسات الدفاع ولماذا تحدونا الرغبة في صونها من آفة الفساد ونسعي لتجنيبها مرض دعم الاستبداد:

- كلفة الفساد في هذا القطاع مرتفعه سواء رشي أو اختلاس أو هدر للأموال، والخسارة الديمقراطية من جراء اساءة استخدام السلطة وكسر مقتضيات الحيدة الواجبة من قبل هذه المؤسسات في الشئون السياسية تأتي علي حساب حرية وإرادة الشعب مالك هذه المؤسسة.
- تشير التجارب العالمية أن قطاع الدفاع - بسبب احاطته باسيجة السرية وانعدام الرقابة عليه وصعوبة تطبيق اجراءات الشفافية فيه - يكون مرتعا لصفقات المشتروات الفاسدة، المدعومة بالرشاوي، وممارسات اهدار واختلاس المال العالم مثل دفع الرواتب الصورية، او ادراج الاقارب فى صفقات ومنحهم عقود التوريدات. وهذا يزيد اكثر مع تمدد قطاع الدفاع ليدخل في الاسواق المدنية ويقوم بعمليات الاتجار غير العسكرية.
- أن مصر تقع ضمن اكثر البلدان ممارسة للفساد بحسب مؤشر مدركات الفساد *، حيث احتلت المرتبة 115 فى العام الماضي ثم تحسنت قليلا لتصل للمرتبة 111 هذا العام، وهذا يقينا يدفعنا لتخوف طبيعي من أن تكون ممارسات الفساد المرتفعة بين المسئولين والسياسيين في اجهزة الحكومة رغم ما يمارس عليها من اجراءات رقابية متعددة، ممتدة ومتغولة فى قطاع الدفاع، صاحب الميزانية الاضخم، واجراءات الرقابة الاقل، فهذا مما يؤثر علي فاعلية القوات المسلحة، ويدمر روح التطهر والثقة لدي افرادها، بسبب فساد رؤساءهم، كما يأتي - حال وجوده - علي حساب الاستثمار فى قطاعات مهمة جدا لتنمية البلاد ومكافحة حدة الفقر المستشريه فيها كالصحة والتعليم، وهو ما يحد من الثقة والقبول الشعبي العام لهذه المؤسسة ويقلل من مصداقيتها.
- مواجهة الفساد وتعزيز حكم القانون وتحسين نظم الانفاق وتحسين الممارسات المهنية المستخدمة للسلطة هي مصلحة داخلية لقطاع الدفاع، فهي حزمة من الشروط الضروري توافرها لتعزيز تنمية القوات المسلحة وتطويرها.

________
* مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية يقيم ويرتب الدول طبقا لدرجة إدراك وجود الفساد بين المسئولين والسياسيين في الدولة، وهو مؤشر مركب يعتمد على بيانات ذات صلة بالفساد تم جمعها عن طريق استقصاءات متخصصة قامت بها مؤسسات مختلفة ومستقلة وحسنة السمعة. إنه يعكس أراء أصحاب الأعمال والمحللين من جميع أنحاء العالم متضمنا المتخصصين والخبراء من نفس الدولة الجاري تقييمها. ويقوم البروفسور جون قراف لامسدورف ، من جامعة باساو في ألمانيا وهو باحث ومستشار لمنظمة الشفافية الدولية، على العمل على مؤشر مدركات الفساد بطلب من منظمة الشفافية الدولية.
يركز المؤشر على الفساد في القطاع العام ويعرفه بسوء استغلال الوظيفة العامة من أجل مصالح خاصة. تطرح الاستقصاءات المستخدمة في إعداد المؤشر أسئلة ذات صلة بسوء استعمال السلطة لتحقيق مصالح شخصية. على سيبل المثال، قبول الموظفين الحكوميين الرشاوى أثناء المشتريات أو اختلاس الأموال العامة، ومدى نجاعة جهود مكافحة الفساد. لا تميز المصادر يبن الفساد الإداري والفساد السياسي.

الجيش والديمقراطية: هل تري الفيل يا عزيزي

ذلك الفيل القابع في قلب حجرة الديمقراطية هل يتجاهل الجميع وجوده؟، أتحدث عن دور القوات المسلحة في حماية الديمقراطية (أو العكس دورها فى دعم وترسيخ الاستبداد) وهل اتفقنا علي تجاهله تماما، وكأنما اعتبرنا الديمقراطية منبتة الصلة بموضوع الأمن القومي، الهم الأول للجيش باعتباره مؤسسة القوة والحماية . أليس أمرا عجيبا حقا، أن اتفق اطراف اللعبة السياسية جميعهم على تجاهل وجوده.. ألا يعتبر ذلك من الأشياء المثيرة في تاريخ التطور السياسي في مصر عبر العقود الخمسة الماضية .

إن واحدة من الظواهر الأساسية في تحليل بنية النظام السياسي وأليات إعادة انتاج الاستبداد في مصر هي المساندة اللا محدودة من مؤسسات القوة للقلة الحاكمة، والتدخل الخشن، اوالتلويح به، من قبل مؤسسات القوة فى الدولة. المؤسسات المحتكرة للعنف هي الذراع الأبرز للقهر السياسي، ولا يمكن تفكيك منظومة الاستبداد إلا بالعمل علي انهاء هذه المساندة واعادة مؤسسات القوة، جيشا وشرطة ومخابرات لتكون دروعا للديمقراطية. وهذا ليس بالحلم صعب المنال، بل صارت حيادية مؤسسات الدفاع والامن صيانة للديمقراطية، وباتت أدوارها الحامية للعملية السياسية - دون التدخل فيها او توجيهها - من الرواسخ التي يقوم عليها عمل الديمقراطيات حول العالم. والمدخل لهذا كله هو تأكيد ملكية الشعب لقواته، من خلال مقرطة المؤسسات الدفاعية والأمنية، وترسيخ أسس الحكم الرشيد، والنزاهة فيها مع تعزيز الرقابة البرلمانية والشعبية وإعمال اطر قانوينة ومؤسسية لمكافحة الفساد في هذا القطاع .

تشير تجارب التحول الديمقراطي، وتفكيك نظم الفساد لحقيقة ان قطاع الدفاع هو واحة الفساد الكبري. ذلك لتشكله من مؤسسات حكومية محاطة بأسوار السرية بشكل كامل، ولا يتاح فتحها للفحص والمراجعة والتدقيق سواء للمجتمع أو من داخل مؤسسات الدولة نفسها التشريعية الرقابية، ولا حتي من داخل مؤسسات السلطة التنفيذية ذاتها. ضرب أسيجة السرية حول هذه المؤسسات وبهذه الصورة يصعب تبريره بضرورة فرض السرية علي بعض أنشطة الدفاع، خصوصا وأن مؤسسات الدفاع في بلادنا قد توسعت في أنشطة غير دفاعية وتسلحية، من أفران الخبز، لتوريد مركبات الاسعاف، لانتاج الأجهزة المنزلية، لإدارة محطات الوقود والسوبر ماركت والفنادق. والرقابة علي الأنشطة السرية للقوات المسلحة وأجهزة الأمن قد تطورت آلياتها فى العالم أجمع وصارت هناك ضمانات أفضل لحماية الأسرار العسكرية دون ترك هذا القطاع بغير رقابة، من خلال خلق ضمانات وأليات لعدم الجنوح والفساد والتغول السياسى في هذه المؤسسات. إن إساءة استخدام السلطة في قطاع الدفاع والأمن الذي يمتلك أضخم ميزانية ضمن قطاعات الدولة ويقوم بأكبر علميات التوريد والشراء ويمتلك بسلطة القانون توجيه أدوات القهر والعنف، هي جريمة ولها ضحايا، فكل مليم مختلس أو مهدر أو ذهب في غير موضعه هو هدر لموارد عزيزة في بلد فقير يئن نصف شعبه تحت وطأة الفقر ويقع قطاع كبير منه تحت تهديد المرض والأمية والعوز، وكل ممارسة سالبة لحريات افراد الشعب لا تستند للقانون وتحركها نوازع القهر والاستبداد الفساد واغراض النفاق الشخصي هي بالضرورة تحيد بهذه المؤسسات عن واجبها في الدفاع عن أمن مصر وشعبها. ولا حاجة لنا للقول بأن استشراء الفساد وعدم الرقابة يخلقان بيئة أمنية بالغة الخطورة تقل معها ثقة الشعب في مؤسساته التي أوكلها وأفردها بسلطة استخدام القوة وأدوات العنف من أجل حمايته والزود عن أمنه ومصالحه العليا.

من هنا تجئ فكرة هذه المدونة، لوضع مسألة الرقابة الديمقراطية على قطاع الأمن والدفاع في قلب الجدل حول مستقبل مصر، ولتوجيه النظر لحقائق العلاقات المدنية العسكرية داخل جهاز الدولة، وللدعوة لإعادة المؤسسات الدفاعية والأمنية للقيام بواجباتها فى حماية الديمقراطية كمصلحة عليا لمصر وقضية أمن قومي أولي، مع إيضاح عناصر هذه الحماية وسبل انجازها.

المتابعون