الخميس، 8 أبريل 2010

العسكر والبيروقراط .. عسكرتاريا

مقال آخر لعبد القادر فاروق يتناول سيطرة العسكريين على الجهاز المدني للدولة، نقلا عن كتابه : عريضة اتهام
......

خطيئة المادة (15) ...وكيف سيطر العسكريون على جهاز الخدمة المدنية

يعرف فقهاء القانون، القواعد القانونية الدستورية أو غير الدستورية بأنها "تلك التى تنظم العلاقات الاجتماعية والسياسية فى المجتمع فى فترة تاريخية معينة ووفقا لموازين القوى أو المصالح السائدة فى تلك الفترة، وهى فى الحالة الدستورية أساس تنظيم العلاقات بين سلطات الدولة وصرحيات مؤسساتها، بما يحفظ التوازن بينها ويصون المجتمع وأفراده من تغول واستبداد أحدى هذه السلطات على بقية مؤسسات الدولة".
ومن هنا فإن القواعد القانونية التى يأتى بها الدستور ومشرعوه، ليست خارجه عن سياق الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بل وحتى الثقافية السائدة فى هذا المجتمع أو ذاك ، فى تلك اللحظة التاريخية أو تلك.
لذا فأن تغيير أو تعديل هذه النصوص الدستورية هى من ألزم ضروريات الحياة السياسية التى ينبغى أن تحدث كل فترة صونا للتوازن واعتبارا للمصالح المختلفة بين القوى الاجتماعية المكونة لهذا المجتمع فى كل مرحلة تاريخية.
وقد حرص المشرع الدستورى المصرى عام 1971، على أن يعبر ويعكس حقائق وظروف المجتمع المصرى حينذاك، والتى من أبرزها دور أبناء القوات المسلحة وضباطها فى تحرير الأراضى المصرية التى احتلتها إسرائيل بعد العوان الحادث فى الخامس من يونيه من عام 1967، لذا جاءت بعض مواد الدستور الصادر فى سبتمبر من عام 1971، والسارى حتى يومنا، مانحا بعض الإمتيازات لأفراد وضباط هذه المؤسسة، ارتباطا بالظروف واحتراما للدور الذى سيقوم به هؤلاء فى تحرير الأراضى المصرية المحتلة فى معركة التحرير المتوقعة، برغم ما قد يشوب بعض هذه المزايا من تعارض وتناقض مع جوهر الدساتير المدنية الحديثة والمتعلقة بمبدأ "المساواة بين المواطنين" والذى ورد حصرا فى المادة (40) من ذات الدستور المصرى.
ومن أبرز تلك المزايا والإمتيازات التى خلعها دستور عام 1971 على أفراد القوات المسلحة هو ما جاء فى نص المادة (15) حيث نصت على (للمحاربين القدماء والمصابين فى الحرب أو بسببها ، ولزوجات الشهداء وأبنائهم الأولوية فى فرص العمل وفقا للقانون).
وكان من المفهوم فى الضمير المصرى العام أن هذا الامتياز الذى جاء مناقضا تماما لنص المادة (40) التى نصت على (المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم فى ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة)، ولم يرد المشرع الدستورى من باب أولى أن يأتى بسبب أقل شأنا فى مجال التمييز بين المواطنين وه "سبب الوظيفة أو الدور الاجتماعى".
ومن ثم فإن هذا التناقض المكشوف مع أصل من أصول التشريع الدستورى الحديث، لم يتوقف عنده الضمير المصرى العام بالرفض فى ذلك الحين، اعترافا وإقرارا بالتضحية الجسيمة التى قد يقدمها أفراد القوات المسلحة على مختلف رتبهم العسكرية ومواقعهم القتالية حتى لو كان بعضهم مكانهم فى الغرف المكيفة والمحصنة.
وبالتعبير القانونى فإن هذا الاستثناء الدستورى – من أصل مبدأ المساواة – كان مرتبطا بتوافر شرطين أساسيين هما:
الأول: هو وجود حالة "حرب" وأراضى محتلة تستدعى تقديم تضحيات من كافة أبناء المجتمع عموما، ومن أفراد القوات المسلحة على وجه الخصوص.
الثانى: ضرورة صدور قانون ينظم هذه الحالة فى حدود الضرورة، ولا يتسع فى أوضاعها بما يخرج بها عن مضمونها.
بيد أنه ومنذ أعلن الرئيس السابق "أنور السادات" فى مطلع عام 1974 بأن حرب أكتوبر هى آخر الحروب، وإنقضاء أكثر من ثلاثين عاما على هذه الحرب، دون مشاركة القوات المصرية فى واجبات وطنية لتحرير الأرض المصرية، بل كانت مشاركتها بطلبات من الولايات المتحدة أو بعض العائلات الحاكمة العربية فى السعودية والخليج ، بما يستحيل معه تصور مشاركة أيا من شاغلى الرتب الوسطى أو العليا فى القوات المسلحة المصرية حاليا – رتب اللواء والعميد ومن دونه – فى حرب أكتوبر، فإن الشرط الأول من شروط النص الدستورى الوارد فى المادة (15) لم يعد قائما.
-ومن ناحية أخرى، فإن عدم صدور قانون خاص ينظم ترتيب هذا الحق أو الامتياز الدستورى لما يسمى "المحاربين القدماء" قد أدى عمليا إلى سؤ استغلال المؤسسة العسكرية وقياداتها لنص المادة (19 ) من قانون العاملين المدنيين بالدولة رقم (47) لسنة 1978، والتى حصرتها فى المصابين والشهداء ، ومن ثم انتزاع قرار من الثكنات العسكرية تحت يافطة " الضبط والربط " من ناحية ، كما جرى إهدار الكفاءات القيادية الحقيقية المدنية من ناحية أخرى، فانتشرت قيم اللامبالاة، والإحباط وعدم الرغبة فى الإجادة بين أعداد كبيرة من القيادات المدنية الوسطى ، وغلب الشكل دون الجوهر على الأداء الحكومى، وأصبح هناك ثلاث صور من عمليات الغزو العسكرية
الثالثة: الاستدعاء للخدمة بعد التسريح ثم يتم نقلهم إلى وظائف مدنية.
وعلاوة على ذلك فإن "صندوق معاشات القوات المسلحة" و "صندوق معاشات ضباط الشرطة" اللذين يمولا من الموازنة العامة للدولة ومن دافعى الضرائب المدنيين وغير المدنيين ، يمنح الضابط المتقاعد – من رتبة عقيد فيما أعلى – مبالغ مالية خيالية تبدأ من مائة ألف جنيها وتتدرج صعودا لتصل أحيانا إلى ربع مليون جنيه لقادة الأفرع الرئيسية ومن فى حكمهم.
وهكذا يتحصل هؤلاء على مبالغ ضخمة، ثم يزيد على هذا حصولهم على وظائف قيادية – مديرى عموم ووكلاء ووكلاء أول وزارات ومحافظون ووزراء – فى جهاز الخدمة المدنية والمصالح الحكومية، وأعطيكم مثالا، فأن ضباط مباحث الأموال العامة المتقاعدين كانوا يتولون مناصب قيادية فى وزارات الاقتصاد والتجارة الخارجية والمالية وغيرها ..!!
وخلال ثلاثين عاما من هذه السياسة أصبحت صورة الغزو العسكرى للمؤسسات المدنية والمجالس التشريعية والتمثيلية على النحو التالى:
-السيطرة شبه الكاملة على قمم جهاز الخدمة المدنية فى معظم الوزارات والهيئات العامة.
-السيطرة تماما على مجالس المدن والأحياء والقرى بالحافظات.
-السيطرة على مناصب المحافظين.
-اختراق المؤسسة التشريعية، وتأملوا أداء النواب فى مجلس الشعب ذوى الأصول العسكرية (شرطة أو جيش).
-اختراق جزء ليس بقليل من المؤسسة القضائية منذ عام 1979 وحتى يومنا.
-اختراق الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدنى.
وهكذا أحكمت المؤسسة العسكرية والأمنية قبضتها على رئات العمل التنفيذى المدنى، والتشريعى الرقابى وبعض المؤسسة القضائية.
وقد أدى ذلك إلى تدهور أداء الجهاز الحكومى التنفيذى بسبب عدم تأهل هؤلاء الضباط / القيادات من ناحية وسيادة مناخ من الإحباط بين بقية أفراد جهاز الخدمة المدنية الذين نظروا إلى هؤلاء الضباط باعتبارهم مغتصبون لحقوقهم ووظائفهم المنتظرة من ناحية أخرى.
كما أن ما جرى يمثل إهدارا خطيرا للدستور ومبدأ المساواة وتكافؤ الفرص الوارد فى صلب المادة (40) منه، حيث غالبا ما يجرى شغل العسكريين لتلك الوظائف دون مسابقة لقياس الكفاءة، أو حتى عمل هذه المسابقة استيفاء للشكل دون الموضوع ودون شفافية ، بل يتم الإتيان بهؤلاء هبوطا ا" بالبراشوت" كما يقول ويردد المدنيون.
وقد تبين من التجربة الطويلة أن كثير من هؤلاء العسكريين قد تورطوا بعد شغلهم لوظائفهم الجديدة فى جرائم فساد، ونهب للمال العام بسبب من تصوراتهم المسبقة بأنهم خارج دائرة الحساب والرقابة.
لقد آن الأوان لتحرير مصر من هذه المفاهيم المغلوطة، وهذا الاغتصاب للسلطة والنفوذ ، ولعل تغيير أو حذف المادة (15) من الدستور الراهن أو وضع قيود بشأنها هو أحد مداخل الإصلاح مستقبلا.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المتابعون