الخميس، 1 أبريل 2010

الجيش.. السيادة.. الديمقراطية.. وجمال مبارك

منذ عدة سنوات قدمت صحيفة الفجر عرضا لكتاب لم ينتبه له الكثيرين حول دور المؤسسة العسكرية فى الحكم فى مصر والجزائر وتركيا كتبه الباحث الأمريكي ستيفن كوك من مجلس الشئون الخارجية تحت عنوان " السيادة وليس الحكم".

المؤسسة العسكرية.. وسر الاخفاء

أشار كوك فى الكتاب لعدة ملاحظات جديرة بالانتباه وإن لم تكن بجديدة، ففى معرض تفسيره للوجود السياسي للمؤسسة العسكرية فى مصر أعاد انتاج مقولات مثل الحكم من وراء الستار والعسكرتاريا وحكم الحرس الروماني، وهى مقولات معروفة فى فرع النظم من العلوم السياسية وذائعة فى تفسير علاقة الجيوش بالحكم خصوصا فى دول الاستبداد. وهى مقولة مفادها أن المؤسسة الأهم فى تشكيل مثل هذه الأنظمة والقوة صاحبة الدور الحاسم فى العملية السياسية هى المؤسسة العسكرية، والتي عادة ما تخفى وجودها وتدخلها فى الحياة المدنية بقبعات الديمقراطية الشكلانية، من برلمان وقوانين ومؤسسات سياسية. لكن فى الحقيقة يبقى دور هذه المؤسسة بمثابة العمود الحامل للمعبد كله، وما يجري فوقه من ألعاب سياسية لا يمنع آداءها للدور الرئيس فى حفظ استقرار تلك النظم الاستبدادية واستمرارها. وبالطبع تلك المؤسسة تعلو فوق كل اعتبار قانوني او مصلحى مع تنامي نفوذها وحسم مسألة القبول بدورها وإقراره عرفا وليس نصاً .

حاول كوك أيضاً أن يضع بعض السيناريوهات لمستقبل الحكم فى مصر من خلال قراءة متفحصة للعلاقات المدنية العسكرية وتورط فى مقارنة مثيرة بين وضع ودور المؤسسة العسكرية فى إيران قبيل الثورة الإسلامية ووضعها فى مصر حاليا فى ظل دولة مبارك الهشة. وحاول معالجة احتمال اندلاع ثورة إسلامية في مصر على شاكلة ثورة الخوميني.. ما دامت الأوضاع المعيشية والسياسية في القاهرة اليوم.. تتشابه في بعض ملامحها مع "طهران الأمس.

يستخدم ستيفن كوك أحد التحليلات المشتهرة فى فهم البيروقراطية التي تقارن بين الأنظمة الرسمية والأنظمة غير الرسمية، والتي تعد سمة ملازمة لنظم الحكم التي تعاني ضعفا شديدا فى مبدأ حكم القانون، وفهم اللارسميات هو مدخل أساسي فى فهم حركة الدولة/الحكومة وما تقدم عليه من أعمال. ويحاول تبرير هذه الشكلانية القانونية وحرص نظام استبدادي ما على الابقاء على مؤسسات وهياكل سياسية عديمة الفاعلية، وهل الغرض هو التباهي والديكور السياسي واقناع الجماهير مخاتلة بأن ثمة هامش ديمقراطي وأن ثمة فرصة فى تطور سياسيى ديمقراطي.

المكسب الأول الذي تحققه هذه الاستعراضات الديمقراطية، هي أنها جزء أساسي من أدوات الدفاع عن النظام.. أما المكسب الثاني، فتحققه لأنظمة الدول التي تدخل المؤسسة العسكرية في حكمها.. فتعفيها من الدخول في تفاصيل إدارة الحكم اليومية.. إن هذه المؤسسات، تساعد الرئيس علي أن يبدو دائما وكأنه يلعب بقواعد الديمقراطية.. ويكتسب شرعية لحكمه.. مسرح سياسي يعده ويقدمه الحزب الحاكم.. كما يظهر مثلا في مصر.. حزب وطني حاكم يرفع شعار مثل "الفكر الجديد وأولويات الإصلاح.".. وأحزاب كثيرة تشترك كلها في مسرحية الديمقراطية.. كلها محاولات من النخبة الحاكمة، غير الديمقراطية، التي تسعي وراء الحصول علي التأييد الشعبي من خلال التظاهر بالديمقراطية.. والانتخابات.. والبرلمان.. ومجالس حقوق الإنسان.. وغيرها من أساليب تخدم النظام في استبعاد مزيد من المنافسين

يؤكد كوك أن الفارق الرئيسي بين النظام الديمقراطي والاستبدادي (السلطوي)، هو أن الأول يعلي مبدأ "سيادة القانون".. بينما يرفع الثاني شعار" السيادة.. بالقانون".. و الفارق أن سيادة القانون تعني وجود قوانين معلنة معمول بها.. وتشريعات محددة.. ومؤسسات واضحة المعالم لانفاذها وصونها.. بينما السيادة بالقانون تعني تلك الحالة التي يتحول فيها القانون إلي أداة للسلطة.. وليس وسيلة لتحقيق العدالة. وقول كوك هذا لا يعدو كونه إعادة انتاج لمقولة ذائعة يجري تداولها لتفسير وفهم لطبيعة البناء القانوني فى مصر وأنه يأتي يصنع "تفصيل" على مقاس ارادة الحكومة، ويتغير وفق هذه الإرادة عبر مهنة صارت تعرف بـ "ترزية القوانين" وهو ثلة من متخصيين مهمتهم سبك إطار قانوني يحمي إرادة السلطة ويمنحها وجها مؤسسيا وقضائيا مقبولا، فى حين أن طريقة وضع القانون لا تعبر عن ارادة جماعية وشعبية.

وفى معرض تناوله لتفسير غياب حكم القانون فى مصر يأخذ مصطلح "السيادة بالقانون" خطوة للإمام.. فيؤكد أن فى بلدان منها مصر تجد قانونا معلنا.. وحوله تلتف عشرات القواعد غير المعلنة.. والتعليمات غير المكتوبةوالاتفاقات الضمنية التي يرتضيها الكل بلا كلام.. خاصة.. في عالم السياسة.. وهو الوضع، الذي يجعل عشرات المؤسسات غير الرسمية علي الساحة السياسية، أحيانا صاحبة التأثير الأكبر والأهم عن مؤسسات تحمل الصبغة الرسمية العلنية، مثل البرلمان، ومجلس الشوري، والانتخابات، ومجالس حقوق الإنسان، وغيرها.

وهو يؤكد ما يعرفي فى نقد المؤسسات السياسية بـ "العجز الديمقراطي" فيقول أن أي قراءة للدستور المصري، أو التركي أو الجزائري، تكشف عن وجود عدة نقاط مشتركة نصوص دساتير الدول الديمقراطية التي تتبني وتطبق "سيادة القانون".. لكن فى هذه البلدان الاستبدادية تجلس مؤسسات وقوي غير منصوص على أدوارها السياسية فى مواضع القيادة والقرار.. وبالطبع تلعب تلك المؤسسات - الخفية من الناحية الدستورية - دورا أكثر تأثيرا من تأثير المؤسسات السياسية الرسمية للدولة.. ويؤكد أنها شكلت عامل حسم في لحظات حاسمة من عمر النظام السياسي. ويؤكد أن مثل هذه القوي غير المعلنة هي الأشد تأثيرا من القوي المعروفة.. وهو ما يزيد من تعقيد أي عملية إصلاح ديمقراطي أمام الكل.


يتعامل كوك مع الجيش - بعيدا عن دوره المهني - على اعتباره أحد المؤسسات السياسية غير الرسمية شديدة الأهمية والحيوية فى تقرير وتسيير أحوال النظام فى مصر .. وجوده السياسي وجود ضرورة ولا غني عنه فى استمرار النظام الاستبدادي، واستمرار سيطرة النخبة الحاكمة، ويتجلي هذا فى اللحظات الحرجةالتي تعجز فيها المؤسسات السياسية الرسمية عن مواجهة تحديات لوجود النظام الحاكم..

الصراع الحقيقي يظل فى استعادة فكرة حكم القانون واعادة السلطة تحت قبة البرلمان وداخل المؤسسات الرسمية للدولة التي تعكس فى بنيانها ونظام عملها وتجنيدها إرادة شعبية.

كانت هذه المقدمات ضرورية لفهم ما هو أهم: إن رسم سيناريو لفكرة تدخل الجيش في الساحة السياسية.. وأن تحدد بدقة متي يمكن للمؤسسة العسكرية أن تمارس نفوذها علي الساحة السياسية، سواء بانقلاب عسكري أو بأي وسيلة أخري.. هو أمر يصعب توقعه.. الواضح فقط أنه في حالات مصر وتركيا والجزائر، فإن المؤسسة العسكرية لا ترغب في السماح لقوي المعارضة بالسيطرة علي مؤسسات الدولة، وإدارة سياستها التي يمكن أن تمهد الطريق لأي تغيير جذري في النظام السياسي الحاكم، الذي يقوم علي أساس سيطرة العسكر.

معضلة الجيش وجمال

السيناريوهان الأكثر شعبية وتداولا بين المحللين والصحفيين فى ظل عدم وجود أى قنوات طبيعية لتداول السلطة الرئاسية هما "سيناريو رجل الجيش" و "سيناريو جمال".. . بالنسبة لجمال مبارك المدني وموقف المؤسسة العسكرية من رئاسته يعجز كوك عن طرح أى رؤية لكيفية حدوث التوافق "العسكري" على رئاسة جمال المدني، ولم يبين صعوبته، ولا التوجهات المختلفة إزاءة بين الافرع الداخلية للمؤسسة العسكرية، قفز على هذه اللحظة ليقول أنه لو وصل جمال إلي الحكم فستنفصل المؤسسة العسكرية عن مؤسسة الرئاسة لأول مرة في تاريخ مصر الحديث..


تؤثر المؤسسة العسكرية في سياسات البلاد.. لكنها تختلف حتما.. وكثيرا.. عن حكم المؤسسات العسكرية في دول أمريكا اللاتينية مثلا.. الأرجنتين وشيلي وبيرو.. تلك الدول التي يلعب فيها الجيش دورا فاعلا ومؤثرا في صناعة الأنظمة الحاكمة أو الانقلاب عليها.. حتي ولو كان ذلك عن طريق صناعة ديكتاتوريات عسكرية حاكمة.. ما يميز المؤسسة العسكرية في مصر أو تركيا أو الجزائر، عن مثيلاتها في دول أمريكا اللاتينية، هي ان ضباطها الزموا أنفسهم بعدم الخوض في تفاصيل إدارة الشئون اليومية للحكم.. والسياسة.. وهو ما أبعدهم عن التورط في تحمل تبعات أخطاء الحكومة.. وأتاح لهم هامش خطأ واسعاً لو اضطروا لإدارة شئون الساحة السياسية في البلاد.

تختلف حالة المؤسسة العسكرية في الدول الثلاث أيضا، عن مثيلتها في إيران قبل الثورة الإسلامية.. التي أدت إلي سقوط نظام الشاه.. هناك نقاط مشتركة بينهم.. فمثلا، كانت المؤسسة العسكرية الإيرانية تتمتع بمكانة عالية.. ولها نفوذ في العديد من جوانب الحياة السياسية حتي تلك البعيدة عن مناطق الأمن القومي والدفاع عن البلاد.. إضافة إلي دورها الرئيسي والأهم، وهو الدفاع عن نظام الحكم.. لكن.. أدت سنوات من تدخل الشاه في شئون الجيش الداخلية، تحسبا لوقوع أي انقلاب عسكري ضده، إلي إضعاف وهز قلب المؤسسة العسكرية، إلي الحد الذي جعلها عاجزة عن التصرف بشكل حاسم وفعال حتي في أوقات الأزمات الكبري.. وترك الشاه إيران منفيا.. وترك الجيش الإيراني من ورائه متهاويا.. عاجزا عن الدفاع عن نظام الحكم في البلاد.. بل.. وأصبح عدد كبير من ضباطه فيما بعد من أنصار ملالي الثورة الإسلامية الذين أطاحوا بحكم الشاه في إيران.

ويقوم بدور دعوي يقول فيه أنه من الواضح فى حال تحول نظام الحكم في مصر إلي نظام مدني، ووصول رئيس مدني إلي السلطة سيؤدي ذلك إلى مؤسسة عسكرية أكثر استقلالا عنه.. وأكثر نشاطا سياسيا..

كما أنه يؤكد على حتمية أن يقيم الرئيس المدني روابط قوية مع المؤسسة العسكرية بما ينجز التوافقات المطلوبة لاتمام انجازاته السياسية وحتى لا يقع الرئيس فى أزمة مع الجيش، خاصة لو تعلق قراره بتغييرات فى هياكل السلطة وتوازناتها التي قد تؤثر علي المصالح الاقتصادية للمؤسسة وميزات أفرادها.. ويؤكد أنه بشكل عام لن يقل تأثير المؤسسة العسكرية علي السياسة ، طالما ظلت القنوات والأدوات التي تؤثر بها هذه المؤسسة في السياسة، مفتوحة وقائمة.

ويقول أنه لا يوجد ما يدعو للظن بأن المؤسسة العسكرية في مصر أو الجزائر أو تركيا، يمكن أن تلقي نفس المصير الذي لاقته المؤسسة العسكرية في إيران.. ولا أن تنهار في أوقات الأزمات والشدائد السياسية.. ويري أن سبب ذلك كامن فى أن قادة المؤسسة العسكرية في الدول الثلاث، قد عملوا بجدية علي منع أي تدخل مدني في شئونهم.. وأثبتوا قدرتهم علي التصرف بشكل جماعي.. موحد.. وحاسم.. في كل مرة لمحوا فيها أي تهديد ممكن، علي استقرار النظام الحاكم في بلادهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المتابعون