الثلاثاء، 20 مايو 2014

اليوم وليس غدا: العسكر من الالتفاف إلى المواجهة المباشرة مع المطلبية الديمقراطية

رغم التعثر الراهن في المسار الثوري أرى بعض أمل فيما يحدث؛ قبل سنوات، كان من الصعب تنبيه المصريين للدور السلبي لزمرة القيادة العسكرية المهيمنة على القرار السياسي وللآثار السلبية على الإصلاح الديمقراطي جراء هذا النمط من إدارة العلاقات المدنية العسكرية، وإرث دولة ناصر الذي ضخمه مبارك لحدود رهيبة.

حتى النخبة السياسية لم تكن لتمنح هذا الأمر الانتباه الواجب. وخلال سني النضال ضد مشروع التوريث، ظل قطاع معتبر منها لا يرى الأسس الهيكلية التي يقوم عليها بنيان الاستبداد المباركي، ولا يستطيع تفهم جذور التفاوت في توزيع الثروة وتشويه بنية التوزيع بتكوين فئة محاسيب تهيمن على الثروة، وتختلط عضويا مع مكون دفاعي وأمني. لم يتم التنبه لهذا التحالف وفضلت تجاهل الفيل القابع في حجرة السياسة المصرية. المكون الاستبدادي الذي مثله هذا التحالف كان يضمن تحصيل النصيب الأوفر من العوائد الاقتصادية وبوسائل فساد جرى تقنين معظمها، وامتلك التحكم - عبر آليات الاستبداد الأمني الذي تديره مراكز المخابرات الداخلية والعامة - في مجمل التفاعلات السياسية سواء الاعتيادية منها كالتنافس الانتخابي، والعمل الحزبي، أو غير الاعتيادية كحركات المطالبة بحقوق المرأة أو احتجاجات العمال والمهنيين، بما يبقيها جميعا عند حدود لا تهدد نمط التوزيع هذا.

أذكر أنه من 2008 قد تنبهت لها وأخذ فهمي لدقائق القضية يتضح، وبدأت في التحدث عنها مع من أعرف من باحثي السياسة والمعنيين بالتطور الديمقراطي، عن مفاهيم الرقابة الديمقراطية، وضرورات دمج مسألة هدف حياد القوات المسلحة السياسي في آجندة التغيير، ووجهت وقتها بانتقادات شديدة لمجرد تناول هذا الأمر، هذا رغم توالي دلائل دعم القوات المسلحة السياسي لمبارك منذ انتخابات 2005، وكسر حيادها المصطنع.

كان من يتحدثون عن دور القوات المسلحة قليلون مهتمون بقضايا مهمة لكنها جزئية، دون التطرق للمدخل المتسع للرقابة الديمقراطية الذي صار نهجا عالميا في ضبط العلاقات المدنية العسكرية.

كنت أدرك أثر تهروء بنية البرلمان وديكورية دوره وغياب أي دور حقيقي لأجهزة الرقابة المالية والإداريةىفي الدولة ناهيك عن دور رقابي شعبي من أي نوع، وكيف أنها تحد من التفكير في هذا المدخل والنهج.

كان تلقي همسي حول دور الجيش وضرورة الرقابة البرلمانية سلبيا حتى من بعض أقطاب حركة كفاية، ورموز يسارية مرت بتجربة الناصرية ومرحلة السادات، حتى هذا الاعراض وقع من بعض شباب المدونين الحركيين وناشطين حقوقيين نابهين. فلما بلغ بي القنوط مبلغه رميت ما لدى من نصوص في مدونة "الجيش والديمقراطية" التي خرجت للنور في نهايات 2009، ولم يلتفت أحد إليها.

ثم جاءت الثورة بالبينة؛ وتتالت شواهد الدور السالب للزمرة العسكرية من حماة مبارك ورجاله، إذ وقعت احداث وتطورات في سياق حركة الجماهير لانفاذ مطلبية الثورة، بينت للأعمى استراتيجية هذه الزمرة للالتفاف على المطلبية بنفيها وتسويفها، وإدارتهم لثورة مضادة غايتها حرف مطلبية الديمقراطية والحقوق والحريات عن مسارها لما فيها من تهديد لسلطتهم الواسعة وانهاء لمزاياهم واحتكاراتهم الاقتصادية.

وجاءت تحالفاتهم مع الاتجاهات المتشددة واصطناع الوهم حول أهداف الثورة وتديبن جزء من الصراع وقلبه لصراع هوياتي وطائفي ووصم لمطلبيات العدالة الاجتماعية و إعادة التوزيع بأنها "فئوية" مع إدارة حرب دعائية ونفسية غاية في الانحطاط على الشباب الثائر الذي ملك سلطة الشارع والإيغال في دمائهم بما خلف شهداء ومصابين ومعتقلين كثر.

ومع كل موجة ثورية كانت تدور آلة الخداع ومحاولات التستر خلف بنى سياسية مدنية الوجه، وتحالفات مؤقتة تحميهم من موجات الغضب، أهمها كان مع الإخوان ممن غازلت زمرة العسكر طموحاتهم السلطوية وميولهم الدولتية، مع تقليص الخيارات السياسية التي تخرج من رحم الحراك الجماهيري، وحجب كل ما يوسع من وتيرة الإصلاح الديمقراطي منها وتحطيم قواعده.

تحولت استراتيجيات الالتفاف إلى المواجهة المباشرة خين آل الأمر إلى صراع بين المتحالفين ضد الثورة؛ صدام داخل المعسكر السلطوي.

صراع "اثنين ضد واحد": سلطوية العسكر وسلطوية الإخوان من جهة، في وجه قوى يناير الثورية الديمقراطية، احتدم وصار ثلاثيا مع الثلاثين من يونيو. كانت قدرة العسكرتاريا قد تضخمت وبدت الموجة الثورية في وجه نظام مرسي المهترئ كموجة يمكنها حمل حلم اكمال الالتفاف على الثورة. فجاء مع الثالث من يوليو ليكبح حركة الجماهير التي بدأت قبل الثلاثين من يونيو وحتى قبل "تمرد" التي لم تكن إلا عنوانا إعلاميا جرى تضخيمه، فيما كانت احتجاجات الجماهير الواسعة ضد مرسي تنال من سلطة الاخوان في قرى ومدن مصر على اتساعها. هذا بعدما وقعت قطيعة الخامس من ديسمبر المعروفة بأحداث الاتحادية وحاول المكون الدفاعي والأمني حماية مرسي خلالها. كان مرسي الذي بدأ حكمه بأقنعة ديمقراطية زائفة قد أسفر عن الوجه السلطوي لجماعته مع تزايد الاحتجاجات ضده وتضعضع قدرته في السيطرة على المشهد السياسي. ولم يتردد قادة جماعته في التلويح بتحرك فاشي ميليشيوي الطابع ضد هذه الاحتجاجات وبحجة حماية الرئيس من مؤامرات القوى السياسية.

المواجه بين مرسي والثوريين الديمقراطيبن جرى استثمارها (لا خجل من القول بأنه جرى تسخينها والدفع بوتيرتها) من السلطوية الأخرى، سلطوية العسكر. التى وجدت الفرصة سانحة لقيامهاﻻبخطوة التفافية جديدة ولتعرض دعم الحركة المناوئة لمرسي التي انتهت بالفعل لخيار اسقاطه، وذلك في مقابل مقعد في ترتيبات ما بعد مرسي. ومع الثالث من يوليو عاد وجه الالتفاف وفض التحالف الهش مع الديمقراطيين وضرب الحركة الثورية على نحو ما جرى بعد خلع مبارك، لكن هذه المرة بوتيرة أسرع وبروح انقلابية لا على مرسي ولكن على الحركة الديمقراطية.

اليوم تستثمر الزمرة العسكرية المنتشية بتمكنها من خنق الحراك الثوري المؤسسة العسكرية كرافعة لطموحاتها السياسية والاقتصادية. حتى أن مرشحها المعلن ورجلها القيادي قد أجل أي صناعة لقواعد حزبية وحركية تدعمه في المنافسة الانتخابية، معتمدا فقط على المؤسسة وما تستطيع تقديمه مكوناتها المخابراتية المنخرطة في العمل السياسي منذ أيام مبارك. فعاد الاستخدام سافرا لبقايا الشبكات السياسية للحزب الوطني دون رجوع الحزب نفسه وترغيب الموالين من محاسيب (رجال أعمال) مبارك لدعم ايصال رجلهم لمقعد الحكم بوجه ديمقراطي.

اليوم مع ترميز السيسي كزعيم جماهيري وحام من خطر الإرهاب، يقف الجيش في المواجهة أمام المنادين بديمقراطية حقيقية وعدالة اجتماعية وتوزيعية معتبرة. يقف ويطلب السلطة بقوة السلاح وفزاعات الأمن (وهنا ننوه أنه قد غذاها أداء الإخوان الفاشي في السلطة واستمرار ذلك - حتى بعد اكتمال مظلوميتهم بمذبحة رابعة - من خلال توهمات العودة وسذاجات إنهاك الحركة السياسية علاوة على احياء دور جماعات العنف الديني في سياق حركتهم الإقليمية).

يحمل السيسي آجندة سياسية لا تختلف في رطانتها الإصلاحية عما كانت تلوكه زمرة جمال مبارك ( ولا عجب فهم نفس من يتحلقون اليوم حول السيسي). وليست العودة لخيار وراثة المؤسسة لسلطة مبارك (رهانات عمر سليمان) وفق التصور الإصلاحي الشكلاني لجمال مبارك إلا استمرارا منطقيا بالغ الاتساق لمسيرتهم منذ اليوم الأول للثورة. وهذا سقف ما يقدمه تحالف الهيمنة على الثروة والسلطة. ويحمونه بعناصر القوة الناعمة والخشنة وعلاقات دولية يعنونها تعاضد أعضاء نادي الاستبداديات الشرق أوسطي وتحالفاته مع المنظومة الرأسمالية العالمية.

لا مجال لمكاسب سياسية دون نضال مباشر ضد هذا الدور التدخلي للمؤسسة العسكرية وفض تحالف زمرة قيادتها مع محاسيب النظام القديم واحتكاراته الاقتصادية التي تعمل عبر واجهة الجيش وإعادة رسم العلاقات المدنية العسكرية على نحو ديمقراطي في القلب منه فرض حياد المؤسسة السياسي كحد عليها وعلى أفرادها وتطبيق منظومة فاعلة للرقابة المدنية عليها تعضد مبدأ السيطرة المدنية، كل هذا في سياق هيكلة حقيقية للمجال السياسي توقف مهزلة التنظيمات السرية والتدخلات الإقليمية وتمنع العنف كوسيلة لإنفاذ الإرادة السياسية في ظل حكم القانون وحقوق الإنسان وتسيد الإرادة الشعبية.



الأربعاء، 2 نوفمبر 2011

الفيل - ثانية - في حجرة الثورة

كتبت - منذ عامين بالتحديد - في المدونة مقالاً بعنوان "الجيش والديمقراطية: هل ترى الفيل يا عزيزي" نعيت فيه علي المتحدثين بخطاب الإصلاح قبل الثورة إيثارهم النقاش حول الديمقراطية واجراءات الانتخاب وغيرها من قضايا السطح الديمقراطي، محدثين صخباً هائلاً واستقطاباً في حجرة التغيير، بينما يتجاهلون حقيقة وجود فيل بلا قيد ديمقراطي معهم في ذات الحجرة، وعليهم التعامل معه والنقاش حول التغيير في ظل وجوده. فيل اسمه المؤسسة العسكرية.

وقد قوبلت دعوتي لادراج مسألة الرقابة الديمقراطية علي قطاع الدفاع والأمن في هذه النقاشات - خصوصاً بين قوي المعارضة الجديدة -بفتور شديد، وقال أحد الزملاء المتخصصين ممن اطلعوا علي المدونة ساخراً إنني أقفز عشرة مراحل في مسار الديمقراطية، بهذا الطرح. وكان ردي أن العسكر هم المسكوت عنه الأكبر في قضية التحول الديمقراطي في مصر، وأنه لا ديمقراطية سيراها هذا البلد دون حسم حدود دورهم وتفاصيل هذا الأمر.


ثم جاءت الثورة سريعاً بمرحلتها الأولي وانسقنا خلف جرأتها وفرحها وطموحها الوثاب، الذي أزاح مبارك، وسعدنا رغم أننا لم نزحح الفيل عن موضعه. ثم تلتها المرحلة الانتقالية بمناوراتها وبطئها واحباطها. علاوة علي عشوائية صراعات المشتاقين للسلطة التي انتجت صخباً رهيباً سياسياً وفكرياً ودينياً، كان أغلبه فارغ وبلا طحين ديمقراطي حقيقي. وهي مرحلة أفقنا فيها علي الواقع الصادم، إذ هيمن العسكر علي دفة الأمور.

ولعله من حسن الطالع الذي تأخر كثيراً، أن احتدم الجدل الآن بين القوي السياسية حول دور المؤسسة العسكرية في الدولة، ومدي التزامها بمبدأ السيطرة المدنية. بعدما حرك الفيل رأسه معلناً عن وجوده. الآن ونحن تحت حكم مجلس أعلي يضم تسعة عشر قائداً يمثلون زمرة القيادة العسكرية العليا في البلاد، ويدير شؤونها، ويمارس مهام السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، بدأنا نسمع أصوات من يطالبون بتحصين القوات المسلحة، مرددين قول حق، يراد به الباطل السياسي عينه. إنهم بزعمهم تحصين القوات المسلحة من أهواء الحاكم الفرد، يضعوننا أمام خيار خطر، وهو وضع مفاتيح كل ما يتعلق بأمن البلاد في يد تلك الزمرة الصغيرة من القادة. ذلك، دون وضع أدني اطار ديمقراطي لهذه الحماية، ولا دون افتراض تغول المؤسسة العسكرية - التي أفردوها بالقرار- علي إرادة الشعب، رغم أن التاريخ الحديث المعروف لمتوسطي المعرفة قبل المتخصصين، زاخر بالوقائع المشابهة لاستبداد العسكر، والتي كان مبعثها اغواء السلطة المطلقة مع امتلاك أدوات العنف. وكانت نتيجة هذه التجارب المأساوية أن أهدرت سنينا من عمر المجتمعات وعطلت طموحاتها للنهضة والتنمية والحرية. تعمد هؤلاء تجاهل درس التاريخ، بل وأغمضوا الطرف عن الواقع المعاين من حولنا، ناهيك أنهم لم يتتبعوا التطور الكبير للرقابة الديمقراطية وكيفية تحقيق ضوابطها في قطاع الدفاع في دول كثيرة حول العالم متقدمة وعالمثالثية. بل ولم ينظروا لعدوتنا اسرائيل المشهورة بهوس الأمن القومي، والمتخم الحكم فيها بحجج تقود لوجود العسكريين في الواقع السياسي بقوة
، ورغم هذا تشهد جدالا كبيرا وناضجاً حول مسائل الرقابة الديمقراطية، وسبل تطبيقها.

هل علينا أن نصف هذا النوع من الدعوات بأنه ردة عن الثورة ومبادئها، وبينونة يصنعها البعض لتبعدنا عن الديمقراطية المأمولة، يعيقون بها الطريق، ويهدمون ما نجتهد لبنائه. إن دعاة التحصين للمؤسسة العسكرية بموادهم التي أدمجوها في ما يعرف إعلاميا الآن بوثيقة علي السلمي للمبادئ الدستورية، أو فوق الدستورية، يدفعون بنا – متعللين بكم هائل من مخاوف مختلقة يصبونها في اذان الناس - للانتقال بنا من ديكتاتورية مبارك المقيتة التي كلفنا انهاؤها معاناة كبيرة، ودماء مئات الشهداء، لديكتاتورية "يونيتا عسكرية" ثقيلة اليد تمارس استبدادها بمعزل عن أي رقابة، وعلي نمط انقضي وعفا عنه الزمن، ولفظته الدول، بعضها بالثورات السلمية وبعضها بالدماء الغزيرة.

ويبدو أن تذكير هؤلاء الذين يزعمون أن مدخل طروحاتهم ديمقراطي، وأنهم يستلهمون النماذج الديمقراطية الراسخة، وتعريف أشياعهم بألف باء ديمقراطية قد صار واجباً الآن.


نسأل معاً: لماذا تطبق الدول الديمقراطية رقابة برلمانية علي كل المؤسسات المتعلقة بالأمن الداخلي والخارجي، من جيوش، لأسلحة، لوحدات مخابرات، وأجهزة شرطة، لمراكز بحث أمني ودعم قرار دفاعي. الإجابة، لأن السيطرة المدنية مبدأ ديمقراطي راسخ، ينطلق من سيادة الشعب، ومن حق ممثليه المختارين ديمقراطياً في أن يكونوا المؤتمنين الأول علي مصالحه وأمنه، وهو رمانة الميزان في تحقيق توازن الديمقراطية.

سيهتف قائل متعجل كيف تقولون هذا، تجعلون مدنيا يعبث في أمور السيادة القومية، ويتحدث بل ويتحكم في الجوانب الأمنية والدفاعية للدولة. نقول له إن عملية تنظيم العلاقات المدنية العسكرية أمر حاسم في تحقيق الحكم الصالح. وأن هناك مبادئ تحكم هذا الأمر، تضمن ألا يتغول البعض تحت ستار هذا الذي ترفعه من دعاوي السيادة والحساسية والسرية والمخاطر علي الأمن والانكشاف أمام القوي الخارجية، وكل هذا.. لنسمع هذه المبادئ، والتي تلخص تجارب العديد من مناطق العالم والتي تلخصها كذلك مدونة أخلاقيات الرقابة علي الأمن التي تبنتها منظمة الأمن والتعاون الأوربى:

أولا: الدولة هي المالك الوحيد لأدوات العنف، والمحتكر لاستخدامها، وتخضع المؤسسات التنفيذية التي توكلها الدولة هذا الاستخدام للمساءلة أمام المؤسسات الشرعية.
ثانيا البرلمان له السيادة الكاملة، ويحمل للجهات التنفيذية المسئولية عن وضع سياسات الدفاع والأمن وتنفيذها، في إطار يضمن مراجعة أدائها ويحاسبها
ثالثا البرلمان هو المضطلع بالدور الدستوري للموافقة علي الانفاق علي مختلف جوانب الدفاع والأمن، وله مراجعة هذا الانفاق
رابعاً للبرلمان الدور الحاسم في اعلان الحرب، وحالات الطوارئ، وهو المسئول باسم الدولة عن اسباب هذا الاعلان، وهي الحالات التي تعمل فيها القوات المسلحة بكامل جهوزيتها وكفاءتها
خامساً مبادئ الحكم الرشيد لا تستثني مؤسسة من المؤسسات في الدولة، فسيادة القانون تسري كمبدأ علي الجميع، وبالتالي قطاع الدفاع والأمن والعاملين فيه ، ولهذا يخضع هؤلاء الأفراد للمساءلة أمام المحاكم القضائية، في حال مخالفتهم للقوانين الوطنية والدولية، ومنها المخالفات المدنية والجنائية.
سادساً والأهم أنه يستحيل تحقيق الحياد السياسي لمؤسسات الدفاع والأمن دون فرض هذه الرقابة البرلمانية والقضائية.

لابد من عملية كفوء لصنع سياسات دفاعية وأمنية تكون متوقعة من قبل الشعب، ومنفتحة علي النقاش بين القوي السياسية المختلفة، دون أن يكون لهذا تأثير سلبي علي الجهاز الفني والإداري الذي يدير هذه السياسات. لابد من عملية تحقق المصالح العامة، وتحد من المخاطر التي قد تهدد الدولة. والحقيقة أنه لا يمكن أن توجد في واقع ديمقراطي مثل هذه المؤسسة الدفاعية أو الأمنية الكفوءة الملتزمة بأهدف مجتمعها دون احترام سيادة القانون، وتعزيز الشفافية في هذه المؤسسة، والسماح بمتابعة الأداء فيها، وتشجيع بناء مجتمع مدني حولها يكون قوياً ويدعم وجودها. بدون هذه الضمانات سنكون أمام مؤسسة تضع السياسات العامة علي نحو متعسف، بواسطة بيروقراطية غير مسؤولة، تتحرك ضمن أطر قانونية تفتقر للعدالة، كما أنها حين تنفذ برامجها لا ضمانة علي التزامها باهدافها، ولا حد علي تغول أحد من العاملين فيها بسلطته، وإساءته استخدامها، ولن تستطيع أن تمنع الفساد وممارساته فيها.

علينا أن نتذكر جميعاً هذه الحقائق.. ولابد من التنبيه الآن لهذا الأمر، فالبعض تختل أولوياته الديمقراطية، وينخرط في جدالات فارغة، ونقاشات لا غرض لها سوي الإلهاء لتمرير معوقات للديمقراطية من هذه العينة التي تطرحها وثيقة السلمي. لابد للقوي السياسية المعنية بعملية وضع الدستور الجديد والتي ستنهمك في المنافسات الانتخابية، قبل أن تشرع فيها من التوافق علي مبدأ السيادة المدنية، وعلي تبني أحدث النظم الدولية المحققة لفاعلية الرقابة البرلمانية علي قطاع الدفاع والأمن.

الأحد، 12 ديسمبر 2010

من حماية قلة حكم (النظام) إلى حماية المؤسسات الدستورية

من مهام القوات المسلحة حماية الشرعية الدستورية، ويقصد بهذا اللفظ أشياء عديدة، أولها الحفاظ على القيم الدستورية للدولة، واحترامها، وضمان عدم الافتئات عليها، وثانيها الحفاظ على مؤسسات الدولة التى يعينها الدستور من الاعتداء على مهامها ووجودها، وثالثها صيانة التوازن بين المؤسسات التى يقوم عليها بنيان الدولة. والقوات المسلحة حين تقوم بذلك تنتهج آليات حماية للعمليات السياسية تتسم بالتزام الحياد السياسى، وتبدا بإعلان بدعم القوات المسلحة لنتائج العملية السياسية أى كانت، باعتبارها ترجمة للإرادة الشعبية التى تمتثل القوات المسلحة بأمرها. وتؤكد أنها تضمن العملية السياسية فى صيرورتها القانونية واجراءاتها، بدون أى تدخل فى دولاب تداول السلطة.

ومثال ذلك أن تحمى القوات المسلحة وجود انتخابات نزيهة، تعبر بوضوح عن إرادة أغلبية الأمة، والحماية هنا - من منظور الحياد السياسى- تعنى أن يكون الجيش مستعدا إذ ربما تستدعى الحاجة حمايته للانتخابات من ممارسات قلة عنف، أو افتئات فصيل سياسى علي إجراءاتها خروجا على صحيح القانون.

ومؤسسة القوة إذ تقوم بدورها هذا تراعى ان تدخلها للحماية يكون ملاذاً أخيراً، حيث تعطى الاعتبار الواجب لوجود مؤسسات داخلية لها أدوار حددها القانون تختص بدارة وحماية العملية الانتخابية. وعندما نقول ملاذ أخير نقصد بذلك أن جزء من أهمية حماية المؤسسات الدستورية يتأتى من احتمال وجود خطر من داخل المؤسسات نفسها، حين تقع أفعال بعض القطاعات التنفيذية بعيدا عن جادة الدستور، وت ممارساتها معيقة للتداول الحر للسلطة، وبعيدة عن الروح الديمقراطية بغرض ترجيح قلة مهيمنة على حساب الإرادة الشعبية.

وهذا أمر يكاد يكون غير متصور فى الديمقراطيات، لكنه يحدث مرارا وتكرارا للأسف الشديد فى دول الاستبداد، حيث تتكرر وقائع هيمنة الجهاز البيروقراطى على العمليات السياسية واجراءات الانتخابات التى يجرى افسادها. تحيد حركة القطاعات التنفيذية عند تحالفها مع قوة سياسية بعينها وخروجها - وهى الحامية للقوانين والمطبقة له- عن قواعد الحماية التى يفرضها االقانون. أجهزة الإدارة التى تتحيز لقوة مهيمنة وتدير لصالحها عملية تزييف لإرادة الأمة هى بالضورة تعيق قيام البناء الديقراطى السليم، وتضع نفسها فى تحد صرح مع مهمة القوات المسلحة فى حماية الشرعية الدستورية.

أكثر التناقض يحدث من عدم التزام أجهزة الامن الداخلى للحياد، وهى الأجهزة التى تشاطر القوات المسلحة جزء من احتكارها لأدوات العنف (السلاح) وتتمتع بسلطات تبيح لها الايقاف المؤقت للحريات. وهذه الأجهزة سبب طبيعة عملها وحركتها التى تجعلها منخرطة يوميا فى الشئون العامة، وبسبب بنيان هذه الاجهزة الذى قد يشمل وحدات للرقابة على القوى السياسية وتأمين قيادة الدولة، تتورط فى ممارسة أدوار لا حمائية. .بما يهدد صحة العملية. فى الديمقراطيات توضع قوة الأمن طوال فترة العملية الانتخابية تحت سلطة جهة إدارة الانتخابات وهى عادة جهة قضائية مستقلة، لكن ما يحدث فى النظم الاستبدادية انها لا تأتمر بأمر هذه السلطة، وتتخطاها، وتهيمن عليها وتحرص على أن تشكل على نحو ضعيف وغير مستقل. فتخرج الممارسات عن نطاق الحماية المحدد لسلطة الأمن لممارسات الاعاقة والترهيب بل وإدارة أعمال التزوير بنفسها.

والحقيقة أنه عدم انخراط المؤسسة العسكرية ضمن فريق المتحيزين ممن يمثلون بعض المؤسسات العامة، المتورطين فى محاباة فريق سياسى بعينه، والتزامها المسار الحيادى إزاء عملية التنافس السياسى الشرعية، هو الضمانة الأكيدة لصحة العملية السياسية، ويجعل منها صمام أمان دستورى. وحيادها ويقظتها الدستورية يمكناها وبقوة من ترسيخ البناء الديمقراطى عبر وأد أية تطلعات استبدادية لأى فصيل سياسى يدير استراتيجية هيمنة سياسية خروجا على القانون. ففى حال افتئات المؤسسات العامة على صحيح الانتخابات تستطيع القوات المسلحة من منظور حفاظها على الامن القومى ان ترفع راية الاعتراض على الممارسات المخالفة، فذلك من مقتضيات اضطلاعها بدورها فى حماية الشرعية الدستورية.

وقد يرى البعض أن هذا الامر حال وقوعه سيمثل أزمة سياسية، لكن الحقيقة أنه لا يتصور وصول الأمور لحد المواجهة، طالما أن الجيش فى وضعيته المحتكرة لاستخدام أدوات العنف، قد أعلن توجهه بالتزام القواعد الدستورية، وإعلانه الصريح أنه يضمن تحقق الإرادة الشعبية التى تترجمها صناديق الاقتراع.

والمؤسف حقاً أنه فى أغلب الدول النامية تجد أن جذر الاستبداد يبدأ من أرض القوات المسلحة للدولة، التى تتخلى قيادتها عن دورها الحيادى الضامن للديمقراطية. والأمر يتجاوز القادة الافراد، فثمة عيوب هيكلية فى بناء القوات المسلحة، بما يجعل لقوة سياسية وطبقية بعينها قدم الهيمنة عليها ويسهل افقادها قدرتها على الوقوف بعيدا عن جبهة انحياز سياسى. إن منح ثقل القوات المسلحة لفصيل سياسى خلال عملية المنافسة السياسية يهمش القانون، ويجعل عملية المنافسة صورية، ويجعل من إرادة الأمة إرادة وئيدة، ويلغى كل قدرة للمجتمع على الاصحاح الذاتى، وعلى التقدم والنهضة، ويشكل هذا بدوره بيئة مثالية لاحتضان الفساد والاستبداد.

الخميس، 8 أبريل 2010

العسكر والبيروقراط .. عسكرتاريا

مقال آخر لعبد القادر فاروق يتناول سيطرة العسكريين على الجهاز المدني للدولة، نقلا عن كتابه : عريضة اتهام
......

خطيئة المادة (15) ...وكيف سيطر العسكريون على جهاز الخدمة المدنية

يعرف فقهاء القانون، القواعد القانونية الدستورية أو غير الدستورية بأنها "تلك التى تنظم العلاقات الاجتماعية والسياسية فى المجتمع فى فترة تاريخية معينة ووفقا لموازين القوى أو المصالح السائدة فى تلك الفترة، وهى فى الحالة الدستورية أساس تنظيم العلاقات بين سلطات الدولة وصرحيات مؤسساتها، بما يحفظ التوازن بينها ويصون المجتمع وأفراده من تغول واستبداد أحدى هذه السلطات على بقية مؤسسات الدولة".
ومن هنا فإن القواعد القانونية التى يأتى بها الدستور ومشرعوه، ليست خارجه عن سياق الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بل وحتى الثقافية السائدة فى هذا المجتمع أو ذاك ، فى تلك اللحظة التاريخية أو تلك.
لذا فأن تغيير أو تعديل هذه النصوص الدستورية هى من ألزم ضروريات الحياة السياسية التى ينبغى أن تحدث كل فترة صونا للتوازن واعتبارا للمصالح المختلفة بين القوى الاجتماعية المكونة لهذا المجتمع فى كل مرحلة تاريخية.
وقد حرص المشرع الدستورى المصرى عام 1971، على أن يعبر ويعكس حقائق وظروف المجتمع المصرى حينذاك، والتى من أبرزها دور أبناء القوات المسلحة وضباطها فى تحرير الأراضى المصرية التى احتلتها إسرائيل بعد العوان الحادث فى الخامس من يونيه من عام 1967، لذا جاءت بعض مواد الدستور الصادر فى سبتمبر من عام 1971، والسارى حتى يومنا، مانحا بعض الإمتيازات لأفراد وضباط هذه المؤسسة، ارتباطا بالظروف واحتراما للدور الذى سيقوم به هؤلاء فى تحرير الأراضى المصرية المحتلة فى معركة التحرير المتوقعة، برغم ما قد يشوب بعض هذه المزايا من تعارض وتناقض مع جوهر الدساتير المدنية الحديثة والمتعلقة بمبدأ "المساواة بين المواطنين" والذى ورد حصرا فى المادة (40) من ذات الدستور المصرى.
ومن أبرز تلك المزايا والإمتيازات التى خلعها دستور عام 1971 على أفراد القوات المسلحة هو ما جاء فى نص المادة (15) حيث نصت على (للمحاربين القدماء والمصابين فى الحرب أو بسببها ، ولزوجات الشهداء وأبنائهم الأولوية فى فرص العمل وفقا للقانون).
وكان من المفهوم فى الضمير المصرى العام أن هذا الامتياز الذى جاء مناقضا تماما لنص المادة (40) التى نصت على (المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم فى ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة)، ولم يرد المشرع الدستورى من باب أولى أن يأتى بسبب أقل شأنا فى مجال التمييز بين المواطنين وه "سبب الوظيفة أو الدور الاجتماعى".
ومن ثم فإن هذا التناقض المكشوف مع أصل من أصول التشريع الدستورى الحديث، لم يتوقف عنده الضمير المصرى العام بالرفض فى ذلك الحين، اعترافا وإقرارا بالتضحية الجسيمة التى قد يقدمها أفراد القوات المسلحة على مختلف رتبهم العسكرية ومواقعهم القتالية حتى لو كان بعضهم مكانهم فى الغرف المكيفة والمحصنة.
وبالتعبير القانونى فإن هذا الاستثناء الدستورى – من أصل مبدأ المساواة – كان مرتبطا بتوافر شرطين أساسيين هما:
الأول: هو وجود حالة "حرب" وأراضى محتلة تستدعى تقديم تضحيات من كافة أبناء المجتمع عموما، ومن أفراد القوات المسلحة على وجه الخصوص.
الثانى: ضرورة صدور قانون ينظم هذه الحالة فى حدود الضرورة، ولا يتسع فى أوضاعها بما يخرج بها عن مضمونها.
بيد أنه ومنذ أعلن الرئيس السابق "أنور السادات" فى مطلع عام 1974 بأن حرب أكتوبر هى آخر الحروب، وإنقضاء أكثر من ثلاثين عاما على هذه الحرب، دون مشاركة القوات المصرية فى واجبات وطنية لتحرير الأرض المصرية، بل كانت مشاركتها بطلبات من الولايات المتحدة أو بعض العائلات الحاكمة العربية فى السعودية والخليج ، بما يستحيل معه تصور مشاركة أيا من شاغلى الرتب الوسطى أو العليا فى القوات المسلحة المصرية حاليا – رتب اللواء والعميد ومن دونه – فى حرب أكتوبر، فإن الشرط الأول من شروط النص الدستورى الوارد فى المادة (15) لم يعد قائما.
-ومن ناحية أخرى، فإن عدم صدور قانون خاص ينظم ترتيب هذا الحق أو الامتياز الدستورى لما يسمى "المحاربين القدماء" قد أدى عمليا إلى سؤ استغلال المؤسسة العسكرية وقياداتها لنص المادة (19 ) من قانون العاملين المدنيين بالدولة رقم (47) لسنة 1978، والتى حصرتها فى المصابين والشهداء ، ومن ثم انتزاع قرار من الثكنات العسكرية تحت يافطة " الضبط والربط " من ناحية ، كما جرى إهدار الكفاءات القيادية الحقيقية المدنية من ناحية أخرى، فانتشرت قيم اللامبالاة، والإحباط وعدم الرغبة فى الإجادة بين أعداد كبيرة من القيادات المدنية الوسطى ، وغلب الشكل دون الجوهر على الأداء الحكومى، وأصبح هناك ثلاث صور من عمليات الغزو العسكرية
الثالثة: الاستدعاء للخدمة بعد التسريح ثم يتم نقلهم إلى وظائف مدنية.
وعلاوة على ذلك فإن "صندوق معاشات القوات المسلحة" و "صندوق معاشات ضباط الشرطة" اللذين يمولا من الموازنة العامة للدولة ومن دافعى الضرائب المدنيين وغير المدنيين ، يمنح الضابط المتقاعد – من رتبة عقيد فيما أعلى – مبالغ مالية خيالية تبدأ من مائة ألف جنيها وتتدرج صعودا لتصل أحيانا إلى ربع مليون جنيه لقادة الأفرع الرئيسية ومن فى حكمهم.
وهكذا يتحصل هؤلاء على مبالغ ضخمة، ثم يزيد على هذا حصولهم على وظائف قيادية – مديرى عموم ووكلاء ووكلاء أول وزارات ومحافظون ووزراء – فى جهاز الخدمة المدنية والمصالح الحكومية، وأعطيكم مثالا، فأن ضباط مباحث الأموال العامة المتقاعدين كانوا يتولون مناصب قيادية فى وزارات الاقتصاد والتجارة الخارجية والمالية وغيرها ..!!
وخلال ثلاثين عاما من هذه السياسة أصبحت صورة الغزو العسكرى للمؤسسات المدنية والمجالس التشريعية والتمثيلية على النحو التالى:
-السيطرة شبه الكاملة على قمم جهاز الخدمة المدنية فى معظم الوزارات والهيئات العامة.
-السيطرة تماما على مجالس المدن والأحياء والقرى بالحافظات.
-السيطرة على مناصب المحافظين.
-اختراق المؤسسة التشريعية، وتأملوا أداء النواب فى مجلس الشعب ذوى الأصول العسكرية (شرطة أو جيش).
-اختراق جزء ليس بقليل من المؤسسة القضائية منذ عام 1979 وحتى يومنا.
-اختراق الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدنى.
وهكذا أحكمت المؤسسة العسكرية والأمنية قبضتها على رئات العمل التنفيذى المدنى، والتشريعى الرقابى وبعض المؤسسة القضائية.
وقد أدى ذلك إلى تدهور أداء الجهاز الحكومى التنفيذى بسبب عدم تأهل هؤلاء الضباط / القيادات من ناحية وسيادة مناخ من الإحباط بين بقية أفراد جهاز الخدمة المدنية الذين نظروا إلى هؤلاء الضباط باعتبارهم مغتصبون لحقوقهم ووظائفهم المنتظرة من ناحية أخرى.
كما أن ما جرى يمثل إهدارا خطيرا للدستور ومبدأ المساواة وتكافؤ الفرص الوارد فى صلب المادة (40) منه، حيث غالبا ما يجرى شغل العسكريين لتلك الوظائف دون مسابقة لقياس الكفاءة، أو حتى عمل هذه المسابقة استيفاء للشكل دون الموضوع ودون شفافية ، بل يتم الإتيان بهؤلاء هبوطا ا" بالبراشوت" كما يقول ويردد المدنيون.
وقد تبين من التجربة الطويلة أن كثير من هؤلاء العسكريين قد تورطوا بعد شغلهم لوظائفهم الجديدة فى جرائم فساد، ونهب للمال العام بسبب من تصوراتهم المسبقة بأنهم خارج دائرة الحساب والرقابة.
لقد آن الأوان لتحرير مصر من هذه المفاهيم المغلوطة، وهذا الاغتصاب للسلطة والنفوذ ، ولعل تغيير أو حذف المادة (15) من الدستور الراهن أو وضع قيود بشأنها هو أحد مداخل الإصلاح مستقبلا.


المتظاهر والشرطي.. الكلفة المادية للاستبداد

هذا مقتطف من التحليل الذى كتبه عبد القادر فاروق وتعرض بسببه لعنت وتحقيق رغم أنه لم يقل إلا ما تقوله نصوص الميزانيات التي تصدر بقوانين من مجلس الشعب كوثيقة رسمية.. فلنتأمل ما قال الرجل

....

زاد عدد العاملين فى وزارة الداخلية المصرية من أقل من 124 ألف شخص – سواء كانوا من العسكريين أو المدنيين – فى عام 1951 ، إلى حوالى 200 ألف شخص بنهاية عام 1971 ، وبحلول عام 2006 كان عدد العاملين فى وزارة الداخلية قد بلغ حوالى 800 ألف شخص ، جلهم تقريبا من العسكريين . وكلما زاد التوتر الاجتماعى والسياسى – بسبب تفشى مظاهر الظلم الاجتماعى والفساد والاستبداد السياسى – زادت الحاجة إلى قوات أكثر من الأمن والشرطة من أجل قمع حركات الاحتجاج وعمليات العنف التى قد تنشأ من حين إلى أخر كرد فعل لعنف جهاز الدولة سواء بالمعنى الاجتماعى أو البوليسى والأمنى وبخلاف هؤلاء العاملين فى وزارة الداخلية ، فقد تزايد أعداد المجندين فى صفوف قوات الأمن من صفر عام 1970 ، إلى 450 ألف جندى عام 2006 يشكلون ما يسمى قوات ” الأمن المركزى ” الذين يتمركزون فى جميع محافظات الجمهورية ، مهيأين دائما للتصدى بالعنف لأية تحركات احتجاجية ، ويتوزع هؤلاء على حوالى 20 فرقة عسكرية بخلاف عناصر الشئون الإدارية واللوجيستية .
أى أن القوات التابعة لهذه الوزارة تعادل حوالى 1.25 مليون شخص ، وإذا أضفنا إليهم ” المرشدين ” و ” الجواسيس ” القابعين فى كل القطاعات الجنائية والسياسية والذين ينتشرون فى الأحياء السكنية والمصانع والنقابات العمالية والمهنية ، والأحزاب السياسية ، والصحفيين ، وأساتذة الجامعات ، والمدرسين ، وغيرهم من الفئات ، بحيث يشكلون شبكة هائلة لجمع المعلومات ، ونقل الأخبار ويقدر عددهم بنحو 500 ألف إلى 600 ألف شخص فإننا نكون بصدد حوالى 2 مليون شخص يعملون فى مجال الأمن الداخلى .
وهذا الجيش يتركز معظم نشاطه خلال الثلاثين عاما الماضية وبعد تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادى والصلح مع إسرائيل، ومن ثم زيادة التوترات الداخلية، فى مجالات الأمن السياسى بمفهومها الضيق، أى أمن النظام وقياداته، هذا بخلاف الظهير الخلفى المتمثل فى قوات الجيش والتى تزيد عن 650 ألف شخص.
فإذا حسبنا هذا العدد من أفراد الأمن الداخلى – مع استبعاد مؤقت لقوات الجيش – وقارناها بعدد السكان نكتشف الحقائق التالية:
1-أن لدينا فرد أمن واحد لكل 33 مواطنا بمن فيهم الأطفال الرضع.
2-وإذا عرفنا أن عدد من هم فوق سن 15 سنة من السكان يقدر بنحو 44 مواطنا، فيكون لدينا فرد أمن واحد لكل 22 مواطنا.
3-وإذا حسبنا أن عدد المشاركين عموما فى العمل السياسى والعام فى مصر من كافة الأحزاب والجماعات وطلبة الجامعات والمدارس الثانوية – بما فيها الحزب الوطنى الحاكم – بأنهم لا يزيدون عن 6 مليون مواطن، فيكون لدينا فرد أمن واحد لكل ثلاثة مواطنين.
4-أما إذا قدرنا أن عدد المشاركين فى المظاهرات المناهضة للنظام وسياساته سواء فى الجامعات المصرية ، وحركة ” كفاية ” و ” الأخوان المسلمين” وغيرهم بحوالى 2 مليون مواطن سنويا ، فيكون لدينا فرد وربع فرد من الأمن مقابل مواطن واحد من مثيرى المشاكل لدى النظام أو بتعبير أخر عشرة من أفراد الأمن مقابل كل ثمانية من المشاركين فى المشاغبات الأمنية .
5-وإذا كان عدد المشاركين فعليا فى الأنشطة الاحتجاجية للمعارضين – أى المظاهرات – لا يزيدون فى أحسن الأحوال عن عدة آلاف من الأفراد فى المرة الواحدة ، فان من المتصور أن تصل نسبة أفراد الأمن إلى عدد المتظاهرين إلى 20 فرد أمن إلى المتظاهر الواحد .
وقد ترتب على هذه الصورة الواقعية – المصحوبة بدرجة من الهزل – أن زادت المخصصات المالية لوزارة الداخلية المصرية من 1.7 مليون جنية عام 1951 (شاملة النفقات السرية التى بلغت 259 ألف جنية) إلى أن بلغت عام 2005/2006 حوالى 8 مليارات جنية ، بخلاف 20 مليار جنية أخرى مخصصة لوزارة الدفاع.
وبرغم وجود وسائل وأساليب محاسبية عديدة للخداع والتمويه من أجل إخفاء حقيقة المخصصات المالية التى تذهب إلى هاتين الوزارتين – وليس من أسبابها دواعى الأمن القومى – فإننا قد استطعنا تعقب هذه المخصصات من باب إلى باب ، ومن بند إلى بند، وأهمهم على الإطلاق هو ما يسمى ” بند الاعتماد الإجمالى ” و ” المجموعة الرابعة بند 4 نوع 10 ” من الباب الثانى ونستخلص منها النتائج التالية:
1-أن متوسط ما يخصص للمواطن الواحد فى مصر من مخصصات الأمن تعادل 115 جنيها للفرد سنويا ، بينما ما يخصص للفرد من الصحة لا يزيد عن 114 جنيها سنويا وذلك طبقا لموازنة عام 2005/2006 .
2-أما إذا أخذنا فقط بمن هم فوق 15 عاما ، فإن متوسط نصيبه من مخصصات الأمن تعادل حوالى 180 جنيها سنويا . (طبقا لموازنة عام 2005/2006) .
3-فإذا حسبنا هذا المتوسط منسوبا إلى عدد المشاركين فى العمل السياسى والعام فى البلاد ( 6 مليون مواطن ) فأن هذا المتوسط السنوى يعادل 1333 جنيها سنويا (طبقا لموازنة عام 2005/2006) .
4-أما إذا حسبناها مقارنة بعدد المشاغبين ومثيرى الاضطراب – وفقا للمفهوم الحكومى – والمقدر عددهم وفقا لأفضل التقديرات بحوالى 2 مليون مواطن ، فإن نصيب الواحد منهم من مخصصات الأمن تعادل 4 آلاف جنيها فى ذلك العام .

الخميس، 1 أبريل 2010

الجيش.. السيادة.. الديمقراطية.. وجمال مبارك

منذ عدة سنوات قدمت صحيفة الفجر عرضا لكتاب لم ينتبه له الكثيرين حول دور المؤسسة العسكرية فى الحكم فى مصر والجزائر وتركيا كتبه الباحث الأمريكي ستيفن كوك من مجلس الشئون الخارجية تحت عنوان " السيادة وليس الحكم".

المؤسسة العسكرية.. وسر الاخفاء

أشار كوك فى الكتاب لعدة ملاحظات جديرة بالانتباه وإن لم تكن بجديدة، ففى معرض تفسيره للوجود السياسي للمؤسسة العسكرية فى مصر أعاد انتاج مقولات مثل الحكم من وراء الستار والعسكرتاريا وحكم الحرس الروماني، وهى مقولات معروفة فى فرع النظم من العلوم السياسية وذائعة فى تفسير علاقة الجيوش بالحكم خصوصا فى دول الاستبداد. وهى مقولة مفادها أن المؤسسة الأهم فى تشكيل مثل هذه الأنظمة والقوة صاحبة الدور الحاسم فى العملية السياسية هى المؤسسة العسكرية، والتي عادة ما تخفى وجودها وتدخلها فى الحياة المدنية بقبعات الديمقراطية الشكلانية، من برلمان وقوانين ومؤسسات سياسية. لكن فى الحقيقة يبقى دور هذه المؤسسة بمثابة العمود الحامل للمعبد كله، وما يجري فوقه من ألعاب سياسية لا يمنع آداءها للدور الرئيس فى حفظ استقرار تلك النظم الاستبدادية واستمرارها. وبالطبع تلك المؤسسة تعلو فوق كل اعتبار قانوني او مصلحى مع تنامي نفوذها وحسم مسألة القبول بدورها وإقراره عرفا وليس نصاً .

حاول كوك أيضاً أن يضع بعض السيناريوهات لمستقبل الحكم فى مصر من خلال قراءة متفحصة للعلاقات المدنية العسكرية وتورط فى مقارنة مثيرة بين وضع ودور المؤسسة العسكرية فى إيران قبيل الثورة الإسلامية ووضعها فى مصر حاليا فى ظل دولة مبارك الهشة. وحاول معالجة احتمال اندلاع ثورة إسلامية في مصر على شاكلة ثورة الخوميني.. ما دامت الأوضاع المعيشية والسياسية في القاهرة اليوم.. تتشابه في بعض ملامحها مع "طهران الأمس.

يستخدم ستيفن كوك أحد التحليلات المشتهرة فى فهم البيروقراطية التي تقارن بين الأنظمة الرسمية والأنظمة غير الرسمية، والتي تعد سمة ملازمة لنظم الحكم التي تعاني ضعفا شديدا فى مبدأ حكم القانون، وفهم اللارسميات هو مدخل أساسي فى فهم حركة الدولة/الحكومة وما تقدم عليه من أعمال. ويحاول تبرير هذه الشكلانية القانونية وحرص نظام استبدادي ما على الابقاء على مؤسسات وهياكل سياسية عديمة الفاعلية، وهل الغرض هو التباهي والديكور السياسي واقناع الجماهير مخاتلة بأن ثمة هامش ديمقراطي وأن ثمة فرصة فى تطور سياسيى ديمقراطي.

المكسب الأول الذي تحققه هذه الاستعراضات الديمقراطية، هي أنها جزء أساسي من أدوات الدفاع عن النظام.. أما المكسب الثاني، فتحققه لأنظمة الدول التي تدخل المؤسسة العسكرية في حكمها.. فتعفيها من الدخول في تفاصيل إدارة الحكم اليومية.. إن هذه المؤسسات، تساعد الرئيس علي أن يبدو دائما وكأنه يلعب بقواعد الديمقراطية.. ويكتسب شرعية لحكمه.. مسرح سياسي يعده ويقدمه الحزب الحاكم.. كما يظهر مثلا في مصر.. حزب وطني حاكم يرفع شعار مثل "الفكر الجديد وأولويات الإصلاح.".. وأحزاب كثيرة تشترك كلها في مسرحية الديمقراطية.. كلها محاولات من النخبة الحاكمة، غير الديمقراطية، التي تسعي وراء الحصول علي التأييد الشعبي من خلال التظاهر بالديمقراطية.. والانتخابات.. والبرلمان.. ومجالس حقوق الإنسان.. وغيرها من أساليب تخدم النظام في استبعاد مزيد من المنافسين

يؤكد كوك أن الفارق الرئيسي بين النظام الديمقراطي والاستبدادي (السلطوي)، هو أن الأول يعلي مبدأ "سيادة القانون".. بينما يرفع الثاني شعار" السيادة.. بالقانون".. و الفارق أن سيادة القانون تعني وجود قوانين معلنة معمول بها.. وتشريعات محددة.. ومؤسسات واضحة المعالم لانفاذها وصونها.. بينما السيادة بالقانون تعني تلك الحالة التي يتحول فيها القانون إلي أداة للسلطة.. وليس وسيلة لتحقيق العدالة. وقول كوك هذا لا يعدو كونه إعادة انتاج لمقولة ذائعة يجري تداولها لتفسير وفهم لطبيعة البناء القانوني فى مصر وأنه يأتي يصنع "تفصيل" على مقاس ارادة الحكومة، ويتغير وفق هذه الإرادة عبر مهنة صارت تعرف بـ "ترزية القوانين" وهو ثلة من متخصيين مهمتهم سبك إطار قانوني يحمي إرادة السلطة ويمنحها وجها مؤسسيا وقضائيا مقبولا، فى حين أن طريقة وضع القانون لا تعبر عن ارادة جماعية وشعبية.

وفى معرض تناوله لتفسير غياب حكم القانون فى مصر يأخذ مصطلح "السيادة بالقانون" خطوة للإمام.. فيؤكد أن فى بلدان منها مصر تجد قانونا معلنا.. وحوله تلتف عشرات القواعد غير المعلنة.. والتعليمات غير المكتوبةوالاتفاقات الضمنية التي يرتضيها الكل بلا كلام.. خاصة.. في عالم السياسة.. وهو الوضع، الذي يجعل عشرات المؤسسات غير الرسمية علي الساحة السياسية، أحيانا صاحبة التأثير الأكبر والأهم عن مؤسسات تحمل الصبغة الرسمية العلنية، مثل البرلمان، ومجلس الشوري، والانتخابات، ومجالس حقوق الإنسان، وغيرها.

وهو يؤكد ما يعرفي فى نقد المؤسسات السياسية بـ "العجز الديمقراطي" فيقول أن أي قراءة للدستور المصري، أو التركي أو الجزائري، تكشف عن وجود عدة نقاط مشتركة نصوص دساتير الدول الديمقراطية التي تتبني وتطبق "سيادة القانون".. لكن فى هذه البلدان الاستبدادية تجلس مؤسسات وقوي غير منصوص على أدوارها السياسية فى مواضع القيادة والقرار.. وبالطبع تلعب تلك المؤسسات - الخفية من الناحية الدستورية - دورا أكثر تأثيرا من تأثير المؤسسات السياسية الرسمية للدولة.. ويؤكد أنها شكلت عامل حسم في لحظات حاسمة من عمر النظام السياسي. ويؤكد أن مثل هذه القوي غير المعلنة هي الأشد تأثيرا من القوي المعروفة.. وهو ما يزيد من تعقيد أي عملية إصلاح ديمقراطي أمام الكل.


يتعامل كوك مع الجيش - بعيدا عن دوره المهني - على اعتباره أحد المؤسسات السياسية غير الرسمية شديدة الأهمية والحيوية فى تقرير وتسيير أحوال النظام فى مصر .. وجوده السياسي وجود ضرورة ولا غني عنه فى استمرار النظام الاستبدادي، واستمرار سيطرة النخبة الحاكمة، ويتجلي هذا فى اللحظات الحرجةالتي تعجز فيها المؤسسات السياسية الرسمية عن مواجهة تحديات لوجود النظام الحاكم..

الصراع الحقيقي يظل فى استعادة فكرة حكم القانون واعادة السلطة تحت قبة البرلمان وداخل المؤسسات الرسمية للدولة التي تعكس فى بنيانها ونظام عملها وتجنيدها إرادة شعبية.

كانت هذه المقدمات ضرورية لفهم ما هو أهم: إن رسم سيناريو لفكرة تدخل الجيش في الساحة السياسية.. وأن تحدد بدقة متي يمكن للمؤسسة العسكرية أن تمارس نفوذها علي الساحة السياسية، سواء بانقلاب عسكري أو بأي وسيلة أخري.. هو أمر يصعب توقعه.. الواضح فقط أنه في حالات مصر وتركيا والجزائر، فإن المؤسسة العسكرية لا ترغب في السماح لقوي المعارضة بالسيطرة علي مؤسسات الدولة، وإدارة سياستها التي يمكن أن تمهد الطريق لأي تغيير جذري في النظام السياسي الحاكم، الذي يقوم علي أساس سيطرة العسكر.

معضلة الجيش وجمال

السيناريوهان الأكثر شعبية وتداولا بين المحللين والصحفيين فى ظل عدم وجود أى قنوات طبيعية لتداول السلطة الرئاسية هما "سيناريو رجل الجيش" و "سيناريو جمال".. . بالنسبة لجمال مبارك المدني وموقف المؤسسة العسكرية من رئاسته يعجز كوك عن طرح أى رؤية لكيفية حدوث التوافق "العسكري" على رئاسة جمال المدني، ولم يبين صعوبته، ولا التوجهات المختلفة إزاءة بين الافرع الداخلية للمؤسسة العسكرية، قفز على هذه اللحظة ليقول أنه لو وصل جمال إلي الحكم فستنفصل المؤسسة العسكرية عن مؤسسة الرئاسة لأول مرة في تاريخ مصر الحديث..


تؤثر المؤسسة العسكرية في سياسات البلاد.. لكنها تختلف حتما.. وكثيرا.. عن حكم المؤسسات العسكرية في دول أمريكا اللاتينية مثلا.. الأرجنتين وشيلي وبيرو.. تلك الدول التي يلعب فيها الجيش دورا فاعلا ومؤثرا في صناعة الأنظمة الحاكمة أو الانقلاب عليها.. حتي ولو كان ذلك عن طريق صناعة ديكتاتوريات عسكرية حاكمة.. ما يميز المؤسسة العسكرية في مصر أو تركيا أو الجزائر، عن مثيلاتها في دول أمريكا اللاتينية، هي ان ضباطها الزموا أنفسهم بعدم الخوض في تفاصيل إدارة الشئون اليومية للحكم.. والسياسة.. وهو ما أبعدهم عن التورط في تحمل تبعات أخطاء الحكومة.. وأتاح لهم هامش خطأ واسعاً لو اضطروا لإدارة شئون الساحة السياسية في البلاد.

تختلف حالة المؤسسة العسكرية في الدول الثلاث أيضا، عن مثيلتها في إيران قبل الثورة الإسلامية.. التي أدت إلي سقوط نظام الشاه.. هناك نقاط مشتركة بينهم.. فمثلا، كانت المؤسسة العسكرية الإيرانية تتمتع بمكانة عالية.. ولها نفوذ في العديد من جوانب الحياة السياسية حتي تلك البعيدة عن مناطق الأمن القومي والدفاع عن البلاد.. إضافة إلي دورها الرئيسي والأهم، وهو الدفاع عن نظام الحكم.. لكن.. أدت سنوات من تدخل الشاه في شئون الجيش الداخلية، تحسبا لوقوع أي انقلاب عسكري ضده، إلي إضعاف وهز قلب المؤسسة العسكرية، إلي الحد الذي جعلها عاجزة عن التصرف بشكل حاسم وفعال حتي في أوقات الأزمات الكبري.. وترك الشاه إيران منفيا.. وترك الجيش الإيراني من ورائه متهاويا.. عاجزا عن الدفاع عن نظام الحكم في البلاد.. بل.. وأصبح عدد كبير من ضباطه فيما بعد من أنصار ملالي الثورة الإسلامية الذين أطاحوا بحكم الشاه في إيران.

ويقوم بدور دعوي يقول فيه أنه من الواضح فى حال تحول نظام الحكم في مصر إلي نظام مدني، ووصول رئيس مدني إلي السلطة سيؤدي ذلك إلى مؤسسة عسكرية أكثر استقلالا عنه.. وأكثر نشاطا سياسيا..

كما أنه يؤكد على حتمية أن يقيم الرئيس المدني روابط قوية مع المؤسسة العسكرية بما ينجز التوافقات المطلوبة لاتمام انجازاته السياسية وحتى لا يقع الرئيس فى أزمة مع الجيش، خاصة لو تعلق قراره بتغييرات فى هياكل السلطة وتوازناتها التي قد تؤثر علي المصالح الاقتصادية للمؤسسة وميزات أفرادها.. ويؤكد أنه بشكل عام لن يقل تأثير المؤسسة العسكرية علي السياسة ، طالما ظلت القنوات والأدوات التي تؤثر بها هذه المؤسسة في السياسة، مفتوحة وقائمة.

ويقول أنه لا يوجد ما يدعو للظن بأن المؤسسة العسكرية في مصر أو الجزائر أو تركيا، يمكن أن تلقي نفس المصير الذي لاقته المؤسسة العسكرية في إيران.. ولا أن تنهار في أوقات الأزمات والشدائد السياسية.. ويري أن سبب ذلك كامن فى أن قادة المؤسسة العسكرية في الدول الثلاث، قد عملوا بجدية علي منع أي تدخل مدني في شئونهم.. وأثبتوا قدرتهم علي التصرف بشكل جماعي.. موحد.. وحاسم.. في كل مرة لمحوا فيها أي تهديد ممكن، علي استقرار النظام الحاكم في بلادهم.

الاثنين، 1 مارس 2010

السيطرة المدنية في النظام الديمقراطي

نقلا عن موقع

america.gov


قضايا الحرب والسلام هي أكثر القضايا التي يمكن لأي دولة مواجهتها من حيث الأهمية، وفي مثل هذه الأوقات التي تشتد فيها الأزمات، فإن العديد من الدول تلجأ إلى قواتها المسلحة لتتولى زمام القيادة فيها.

لكن ذلك ليس هو الحال في الأنظمة الديمقراطية.

ففي ظل الأنظمة الديمقراطية، فإن قضايا السلام والحرب وغيرها من التهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي هي من الأهمية بمكان بحيث يجب ألا يقررها أحد سوى الشعب عبر ممثليه المنتخبين. والقوات المسلحة في النظام الديمقراطي تقوم بمهمة خدمة البلاد لا قيادتها. والقادة العسكريون يقومون بتقديم المشورة للقادة المنتخبين وتنفيذ قراراتهم. وأولئك القادة المنتخبون من قبل الشعب هم فقط الذين يمتلكون سلطة، ويتحملون مسؤولية، تقرير مصير البلاد.

وبناء على هذا، فإن فكرة سيطرة المؤسسة المدنية على القوات المسلحة تمثل مبدأ جوهرياً من مبادئ الديمقراطية.

· يحتاج المسؤولون المدنيون إلى توجيه القوات المسلحة في بلادهم واتخاذ القرارات إزاء قضايا الدفاع القومي، ليس بالضرورة لأنهم أكثر حكمة من المحترفين العسكريين، ولكن تحديداً لأنهم ممثلو الشعب، ولأنهم كلفوا مسؤولية اتخاذ هذه القرارات باسم الجمهور الذي انتخبهم وهم مسؤولون أمامه عما يتخذون من قرارات.

· إن القوات المسلحة في ظل النظم الديمقراطية موجودة لحماية الدولة وصون حرية الشعوب. فهي لا تمثل أو تساند أي رأي سياسي أو جماعة عرقية أو اجتماعية أو غيرها. إن ولاءها هو للمثل العليا للدولة ولمبادئ الديمقراطية نفسها.

· السيطرة المدنية تضمن أن قيم البلد ومؤسساته وسياساته هي الخيارات الحرة للشعب وليس للقوات المسلحة. إن هدف وجود قوات عسكرية هو حماية المجتمع، لا تعريف هوية هذا المجتمع.

· إن أية حكومة ديمقراطية تقدر خبرة المحترفين العسكريين ومشورتهم في التوصل إلى قرارات سياسية حول الأمن والدفاع القوميين. ولكنه يتعين على القيادة المدنية المنتخبة وحدها اتخاذ القرارات السياسية النهائية، والتي ستقوم القوات المسلحة بدورها بتنفيذها.

· قد تشارك الشخصيات العسكرية، بالطّبع، مشاركة كاملة ومتساوية في الحياة السياسية والاجتماعية لبلدهم مثلهم مثل أي مواطن آخر تماماً، ولكن بصفتهم الشخصية. فإذا ما سعى الموظّفون العسكريون إلى الحصول على مناصب في السلطة السياسية في المجتمع الديمقراطي، فإنه ينبغي عليهم أن يتقاعدوا أولا من الخدمة العسكرية. وينبغي على القوات المسلحة أن تبقى بعيدة ومنفصلة عن العمل السياسي. فالقوات المسلحة هي الخادم المحايد للدولة، وهي حامية المجتمع.

  • وفي النهاية، فإن سيطرة المؤسسة المدنية على الجيش تضمن بأن قضايا الدفاع والأمن القومي لا تعرض المبادىء الأساسية للديمقراطية للخطر، مبادىء مثل حكم الأغلبية، وحقوق الأقلية، وحرية الكلام، والدين والتمتع بالإجراءات القضائية المتبعة. إن مسؤولية جميع القادة السياسيين هي ضمان السيطرة المدنية، كما وأيضا ضمان أن جميع أفراد القوات المسلحة يطيعون الأوامر القانونية الصادرة عن السلطات المدنية.

المتابعون