السبت، 26 ديسمبر 2009

المخابرات والتشريع الأمني من أجل أصلاح قطاع الأمن والدفاع

فى عام 2005 قدم معهد راند اسهاما بارزا فى مسألة تطوير الأطر التشريعية للمخابرات وإصلاح قطاع الأمن والدفاع حيث قدم تقريرا فنيا بعنوان: المخابرات والتشريع الأمني من أجل أصلاح قطاع الأمن والدفاع أعده كل من جريج حنا، وكيفن أوبرين، وآندرو روثميل لصالح الفريق الاستشاري لتطوير قطاع الأمن فى المملكة المتحدة.

يبين التقرير تلك الخيارات الواجب طرحها عند وضع أو تنفيذ اجراءات الرقابة التشريعية على المخابرات والمؤسسات الأمنية. وقد توصل إلى ذلك من خلال مراجعة واسعة للتجارب المختلفة لستة من الدول المتقدمة والنامية.



الجمعة، 25 ديسمبر 2009

من أمن الدولة لأمن الإنسان

يطرح تقرير التنمية الإنسانية العربية فى نسخته الخامسة قضية أمن الإنسان العربى ويقدمها بطرح جديد ومختلف، يحاول هذا التقرير الاجابة عن سؤال طال أمد طرحه حول العقبات التي تعترض سبيل التنمية في المنطقة وهل هي عصيّةً على الحلّ؟

يرى التقرير أن الإجابة تكمن في هشاشة البنى السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية في المنطقة، وفي افتقارها إلى سياسات تنمويّة تتمحور حول الناس، وفي ضعفها حيالَ التدخل الخارجي. وتضافرت هذه العناصر لتقويض أمن الإنسان، وهو الأساس المادي والمعنوي لحماية وضمان الحياة، ومصادر الرزق، ومستوًى من العيش الكريم للأغلبية. ذلك أن أمن الإنسان من مستلزمات التنمية الإنسانية، وقد أدى غيابه على نطاق واسع في البلدان العربية إلى عرقلة مسيرة التقدم فيها.

ويفيد ما يقدمه هذا التقرير من طرح فى عملية مراجعة سياسات الامن القومي العربية، ويعمل على تكامل نواحيها الخارجية والداخلية واضعا فى بؤرة تركيزها المواطن/الانسان العربى. مع دحض الادعاءات الدولاتانيه التي تعيد انتاج الاستبداد عبر مدخل الامن وترديد مقولات الأمن القومي المبتسرة التي تقصر فهمه على أمن الحدود وحماية أراضى الدولة واستقرار نظام الحكم دون أمن المواطن وضمان حياته وصون حرياته ومعاشه. إنه تقرير يتبني مفهوم أمن الانسان كشق ملازم للأمن القومي، هذا التقرير المهم نحتاج لتأمله فى معرض الحديث عن ضرورات اصلاح القطاع الامني والدفاعي، ومقرطته وتطبيق قواعد الحكم الرشيد فيه، فهو معين فى وضع رؤي جيدة لمعني الامن وأولويات المصلحة العامة التي تبرر أنشطة الأمن والدفاع وتوجه لها الموارد العامة.

يقول محررو التقرير: "يؤدي انعدام أمن الانسان – المنتشر وبوطأةٍ شديدة والذي يولِّد في أغلب الأحيان آثارًا تمس جمهرة غفيرة من الناس في المنطقة العربية - إلى تقويض التنمية البشريّة. وتتمثل آثاره في الاحتلال العسكري والنزاعات المسلحة في الأرض الفلسطينية المحتلة والسودان والصومال والعراق. انعدام أمن الانسان لا تخلو منه حتى البلدان التي تتمتع باستقرار نسبيّ، حيث تقوم الدولة المتسلطة، مستندةً إلى الدساتير المنقوصة والقوانين المجحفة بحرمان المواطنين حقوقهم في أغلب الأحيان. ويتعاظم انعدام أمن الإنسان مع تغيرات المناخ السريعة، التي تهدد سبل العيش والدخل وحصول الملايين في البلدان العربية على الغذاء والمياه في المستقبل. وينعكس في المخاطر الاقتصادية التي يعانيها خُمس الناس في بعض هذه البلدان، و أكثر من النصف في بعضها الآخر، حيث يتضافر الجوع والحاجة لدفع الناس إلى الفاقة والموت المبكر. ونتلمس انعدام أمن الإنسان في تنامي شعور الشباب العاطل عن العمل بالاغتراب، وفي المحن التي تواجهها المرأة المنقوصة الحقوق، واللاجئون الذي يعانون قسوة الإقصاء.

الرقابة على المخابرات

وصلات مهمة عن الموضوع:

أجهزة المخابرات [إنجليزي][عربي][فرنسي]. 2006
تقرير موجز أعده مركز جينيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة، وتمت ترجمته وطبعه بدعم مالي من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. يلقي هذا التقريرالضوء على ماهية أجهزةالمخابرات، والغرض منها، والنشاطات التي تضطلع بها. كما تعرض لكيفية إنتاج المعلومات الاستخبراتية وأنواع أجهزة المخابرات. أخيراً يناقش التقرير التشريعات التي تنظم عمل أجهزة المخابرات، والمعايير الديمقراطية التي يجب أن تحكمها.

االتحديات المعاصرة التي تواجه قطاع المخابرات [إنجليزي][عربي]. 2006
تقرير موجز أعده مركز جينيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة، وتمت ترجمته وطبعه بدعم مالي من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. يناقش هذا التقرير التغيرات التي حصلت في البيئة الإستراتيجية ويلقي الضوء على الجهات المعنية. كما يركز على ظاهرة الإرهاب الاستراتيجي وآثاره على أجهزة المخابرات تحديداً. ويعرض التقرير بعض طرق التعامل مع هذه التغيرات ويحدد المسائل التي يجب وضعها على سلم الأولويات.

التقييم الخاص بالقطاع الأمني [إنجليزي][عربي][فرنسي]. 2007
تقرير موجز أعده مركز جينيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة، وتمت ترجمته وطبعه بدعم مالي من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. يلقي هذا التقرير الضوء على عملية التقييم الخاص بالقطاع الأمني وأهميتها، والأشخاص الذين يتوجب تقييمهم، والجهة التي تتولى إجراء عملية التقييم، وبعض أساليب التقييم الرئيسية. كما يناقش التحديات التي تفرضها عملية التقييم أمام حقوق الإنسان والحكم، إضافة إلى بعض التحديات المحددة التي تواجه الدول الانتقالية والدول التي اجتازت الصراعات المسلحة.

الرقابة البرلمانية على أجهزة المخابرات [إنجليزي][عربي]. 2006
تقرير موجز أعده مركز جينيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة، وتمت ترجمته وطبعه بدعم مالي من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. يركز هذا التقرير على الدور الذي يلعبه البرلمان في الرقابة على أجهزة المخابرات، وصلاحياته والتحديات الرئيسية التي تواجهه في هذا المجال وكيفية التغلب عليها.

الرقابة البرلمانية على الدفاع والأمن: المبادئ، الآليات، الممارسات [إنجليزي][عربي][فرنسي]. 2003
أعد هذا الدليل مركز جينيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة والاتحاد البرلماني الدولي. وتمت ترجمته وطبعه وتوزيعه بدعم مالي من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. يركز هذا الدليل على مفهوم الأمن والتطورات التي طرأت عليه، ويقدم نظرة عامة حول دور البرلمان الرقابي في هذا المجال. كما يتناول مراحل وضع سياسات الأمن القومي والتشريعات الدولية ذات الصلة. ويناقش دور المجتمع المدني وأجهزة الإعلام في الرقابة على قطاع الأمن. ويلقي هذا الدليل الضوء على جميع الأجهزة والمؤسسات التي يتكون منها هذا القطاع، ويستعرض الأدوات والآليات التي يمكن أن تساعد البرلمانات لممارسة دورها الرقابي على هذا القطاع. كما يلقي الضوء على ثلاثة جوانب وهي موازنة الدفاع، وتعيين الموارد البشرية وتنميتها، وأخيراً الموارد المادية في قطاع الأمن مع التركيز على عمليات الشراء في هذا المجال.
(هذا الدليل الأخير من أهم الكتابات حول الموضوعات الخاصة بالرقابة البرلمانية على أعمال الدفاع والأمن.. تمت ترجمته فى مصر)

سياسة الأمن القومي [إنجليزي][عربي]. 2006
تقرير موجز أعده مركز جينيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة، وتمت ترجمته وطبعه بدعم مالي من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. تناقش هذه الورقة سياسة الأمن القومي وسبب حاجة البلدان إليها، والأساس القانوني التي ترتكز عليه هذه السياسة بالإضافة إلى كيفية إعدادها وصياغتها، والتحديات الرئيسية التي ينبغي طرحها عند صياغة سياسة الأمن القومي. كما يوضح التقرير كيفية تنفيذ هذه السياسة، والمبادئ اللازمة لسياسة ناجعة وديمقراطية للأمن القومي.

مكاتب التحقيق العسكري (الأمبودسمان) [إنجليزي][عربي][فرنسي]. 2006
تقرير موجز أعده مركز جينيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة، وتمت ترجمته وطبعه بدعم مالي من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. يلقي هذا التقرير الضوء على مكاتب التحقيق العسكري وأهميتها، وكيفية ضمان عملها. كما يعرض التجربة الألمانية والكندية في هذا المجال بالإضافة إلى آليات الرقابة الأخرى.

مزيد من الوثائق والدراسات ذات القيمة والمعربة موجودة على موقع مبادرة التنمية البرلمانية فى الدول العربية التي تدعمها الأمم المتحدة

استحضار القانون: ضرورة البدء بوضع أطر قانونية ديمقراطية لعمل المخابرات

ترسم الأطر التشريعية والقانونية تلك الأهداف التي يوكلها الشعب لمؤسسات الأمن والمخابرات، وتحدد حدود عملها، وكيفية التنسيق والتعاون بين هذه الهيئات فى أعمال جمع المعلومات. كما أنها بمثابة دليل الإرشاد لإجراءات الرقابة والمحاسبية الواجب تطبيقها على أعمال هذه الأجهزة. وبداية نؤكد أن مثل هذه التشريعات لا تكون فعالة إلا عندما تنجح فى التوفيق بين مطلبين يبدوان فى ظاهرهما متعارضين، مطلب إعمال الرقابة الخارجية عليها ومطلب إحاطة أعمال هذه الأجهزة بالسرية.

إن وضع أرضية تشريعية قوية لأجهزة المخابرات يوفر لها حزمة من مؤشرات فعالة لتوجيه أنشطتها بهدي من حريات المواطنين الدستورية، وتمنحها إطارا شرعيا يحظي بدعم شعبي وثقة عامة للعمل وتؤكد أن ممارساتها تأني من دوافع المصلحة العامة دون افتئات على القانون والحريات أو بتغييب لهما لصالح فرد أو قلة.

وترسم تلك التشريعات حدود الوكالة الممنوحة من الشعب للمخابرات، وطريقة ممارستها للسلطة. ولا حاجة لنا للقول بأنه لا تحظي أعمال المخابرات بالشرعية إلا إذا أسست على القانون، لكن الكثيرين فى قطاعات الأمن والدفاع وبسبب من سيادة ثقافة "السمو المؤسسى" الأسطورية لديهم والتي لا تستند لصحيح قانوني او دستورى او وطني، ونتاج لميل كثيرين من دهاقنتهم للتشدق بتعبيرات من عينة الهيئات السيادية والهيئات الحساسة بما يمنح شعورا زائفا بالتفوق والسمو فوق الشعب، فلا يدركون أهمية حصولهم على الغطاء القانوني وأهمية التزامهم بحدود الشرعية، وضرورات فهم الأصل فى ما لديهم من سلطة وحقيقة أن مردها للشعب وأن هدفها الأسمي هو خدمته فى عمومه وليس خدمة قلة منه.

ولا تحظي أجهزة المخابرات بالشرعية إلا إذا أسست سلطتها على تشريع عام يستلهم القيم الدستورية وعلى رأسها حماية حقوق المواطن ومصلحة الشعب، التي يحددها لنفسه، ويضع قواعد واضحة للمحاسبية والرقابة والغلزام لهذه الأجهزة، ويحدد معنى واجراءات مسئوليتها أمام المجتمع وممثلى الشعب.

ربما الرهان على التشريع وحده لا يجدي فى تأصيل القيم الديمقراطية داخل مؤسسات المخابرات، لكن هذا التشريع ضرورى وإن ليس بكاف. إذ أنه يمثل تلك الأرضية الفكرية والدستورية للتطوير والتي إن توافقت مع إرادة سياسية للإصلاح تدعمها ضغوط شعبية تنادي بالديمقراطية ومنع تغول المؤسسات على حقوق الشعب، بما يدفع صانع القرار لتبني توجهاتها لحدث تحول كبير وضخم فى كيفية ممارسة السياسة والسلطة فى الدولة. إن تغول واستبداد اهل السلطة يعود فى المقام الأول لوجود درع مؤسسية للحماية ضد الرقابة المجتمعية، بما يمنحهم هذا الشعور بالتمتع بسلطة مطلقة فى توجيه آلة العنف والقوة دون التقيد بالقانون، ويجعلهم يقومون بإعادة تشكيل هياكل عمل وأنشطة هذه الآلة المتحكمة فى أدوات القوة والعنف على نحو غير شرعي أو ديمقراطي.

آليات المحاسبية التي تضعها الأطر القانونية الديمقراطية للمخابرات يجب أن ترسخ فى نظم إدارة هذه الأجهزة، ويوضع لها من الهياكل ولوائح العمل وقواعد الاثابة والعقاب ما يجعل الخروج عنها من قبل الموظف العام ومخالفتها غير مرغوب لما سيترتب عليه من آثار مباشرة تهدد وجوده الوظيفي فى هذه الهيئات. إن النجاح فى إنجاز تغيير ديمقراطي مستديم الأثر داخل هذه الاجهزة صاحبة التاريخ الطويل فى الاستقلال شبه المطلق بالقرار والتي تعودت على انعدام أي شكل من أشكال الرقابة الخارجية الملزمة من قبل أجهزة التشريع والقضاء فى الدولة، والشعور بالحرية الكاملة فى ممارسة أعمال تقع فى حيز غير المشروع والمضاد للصالح العام، يتطلب إرادة سياسية للتغيير طويل النفس، مع تطبيق نظم رقابة داخلية وخارجية متناسقة وفعالة.

الرقابة الداخلية توجد فى الكثير من هذه الأجهزة، لكنها عادة ما تعني بالتحكم والسيطرة وليس بالالتزام بالقانون وقواعد المحاسبية والحكم الرشيد، لكن ما تفتقر إليه مؤسسات المخابرات هو عملية معلوماتية يجري من خلالها إلزامها بالتزامات قانونية تتعلق "بالرد الكامل والصادق" على الأسئلة التي توجه لها من قبل سلطة إلزام شعبية وقضائية يقف جهاز المخابرات كمسئول أمامها (كالبرلمان، ولجان الرقابة على اعمال المخابرات، والقضاء).

عناصر المراقبة الفعالة والمحاسبية يجب أن تتضمن:

- محاسبية تنفيذية، فبسبب الطابع السري لعمل المخابرات، فغن التحكم الفعال والسيطرة على أعمالها يجري عبر مسئول تنفيذى كوزير المخابرات مثلا ، وهذا المسئول عادة ما يحتاج لسلطة قانونية كاملة تتيح له التحكم والسيطرة على الأعمال الاستخبارية، ومن هذه السلطات حق طلب المعلومات من كافة الإدارات والأجهزة.

- المراقبة البرلمانية، وهي مراقبة لها اجراءات تضمن أن هذه الأجهزة تخدم الدولة ككل وليس فصيل سياسى بعينه، أو مصالح محدودة بعينها، وفق إطار للمحاسبية الديمقراطية. إن اشتراك أعضاء البرلمان بفاعلية فى أعمال الرقابة على مؤسسات المخابرات يسهم فى ضمان أن التمويل العام قد جري استخدامه على نحو صحيح يخدم المصلحة الوطنية وقيمة الديمقراطية وبغير فساد أو إهدار، ومن المعروف أن سلطة منح ومنع التمويل العام هى الآداة الأبرز فى يد أعضاء البرلمان لإلزام تلك أجهزة الدولة بالمصلحة العامة. وثمة العديد من الاجراءات التى جربت فى عدد من الدول الديمقراطية لوضع أشكال فعالة لهذه الرقابة تخلق التوازن بين الحاجة للامن وضرورات صون الحرية، يمكنها الوقاية من الفساد والتغول والانحياز داخل تلك المؤسسات.

- الإلزام بالقانون: المراجعة القضائية هى الآداة الرئيسية للتأكد من اقرار والتزام الأجهزة والمؤسسات المخابراتية بالقوانين والأطر التشريعية الموضوعة لها. القضاة واللجان القضائية ، الذين يختاروا وفق قواعد خاصة والمستقلون عن الجهاز التنفيذى للدولة يمكنهم تشكيل آداة إلزام تحمي من تغول هذه المؤسسات وتمنع افرادها من الحيدة عن المصلحة العامة والقانون وتحد من ممارسة الفساد. إن للمحاكم دور كبير فى حماية الحقوق الشخصية للأفراد إزاء هذه المؤسسات، ويجب وجود آلية إلزام بوقوف المتورطين فى انتهاكات ضد المواطنين بغض النظر عن وضعية مؤسساتهم أمام القضاء. ثمة ضرورة لإيجاد توازنات بين الحاجة لمنح حصانة قانونية للعاملين فى تلك الأجهزة وسمو حقوق المواطنين، بحيث لا تتحول الحصانة الممنوحة للمنتمين لأجهزة المخابرات لآداة تنتج منتوجا عكسيا وتصير سببا فى تقليص وهدر حقوق المواطن، وبحيث لا تصبح هى التقية التي يتخفى وارءها الفاسدون. إن الرقابة القضائية مهمة لوضع الحدود الواضحة وخلق اليات توازن فعالة بين حقوق الأفراد الواجب صونها دائما والحاجة لجمع المعلومات الضرورية لحفظ الامن والاستقرار.

عملية تطوير تشريعات المخابرات بردها للقيم الدستورية والحكم الرشيد والمحاسبية جرت فى العديد من الدول، وتأمل بعض من هذه التجارب يشير لعدة اعتبارات يجب أخذها فى الحسبان، ودروس يجب التعلم منها:

- ضرورة تحديد مهمة المخابرات على نحو دقيق، بحيث تكون هذه المهمة هى المبرر لكافة الأنشطة التي تقوم بها أجهزتها وأفرادها وليس شيئا سواها، والتشريع يمكن أن يستخدم فى ترسيم هذه الحدود الواضحة بين الوكالات والأجهزة العاملة فى المخابرات، وتضع قواعد للتخصص وتقسيم العمل بين داخلى وخارجي، وبين مدني وعسكري، وكذلك للتفرقة بين نوعية الأنشطة التي يجري إنجازها.

- إيجاد آلية للتنسيق الداخلي والمراقبة والمحاسبية مما يعضد عمل المخابرات فى إطار من الشرعية القانونية.

- التنسيق المركزي يؤكد على أن اعمال أجهزة المخابرات والإدارات التابعة لها لا تكرر الجهود ولا تتقاطع فيها السلطة، ويقي من مخاطر الوقوع فى المنافسة العدائية بين الأجهزة، ووجود فجوات معلوماتية، ويضمن جمعا وتصنيفا وتحليلا فعالا ومتكاملا للمعلومات يصل لصانع القرار فى وقته المناسب بما يدعم حماية مصالح الدولة وتحصيلها.

- لابد من التنسيق بين اجراءات الرقابة الداخلية التنفيذية وتلك الخارجية الشعبية والقضائية.

- إن الرقابة المركزية الفعالة والمتناسقة تؤكد للرأي العام أن كل امكانيات وموارد تلك الأجهزة والمؤسسات التى وفرها لها دافع الضرائب تستخدم على نحو فاعل لحماية مصالحه وأمنه وهى محمية من أى عبث أو إهدار أو فساد عبر جهاز واحد. ومتطلب أساسي فى اى تشريع للمخابرات هو أن يرسم خطوط واضحة للمحاسبة والمسئولية، ويرفع وعي أفراد المخابرات بها، ويضمن انصياعهم جميعا لقيادة منتخبة ديمقراطيا، ولممثلى الشعب المنتخبين ديمقراطيا. بحيث لا توجد أيه ذريعة للقول بأن إدراك المخابرات للمصلحة العامة وتحديدها ورسم طرق حمايتها ينبع من داخل المخابرات ذاتها دون حاجه لأن تفرض عليها تلك الرؤى من خارج المؤسسة، أو أن تفرض عليها مراجعات من أى جهة فى الدولة تمثل الشعب.


البدء بالمخابرات

من السمات المميزة لنظم الحكم المستبدة أن تجد تحيزا وممارسات قمعية وفاسدة من آلة القوة التي تحتكرها الدولة وفى المركز منها تلك الأجهزة المنتمية لقطاع الأمن والدفاع. إن عمل هذه الأجهزة لصالح قلة حاكمة لا تغطيها شرعية ديمقراطية هى السمة الأبرز فى بنية الاستبداد فى البلدان المتخلفة سياسيا. فثمة مؤسسات تعني بالدفاع عن مصالح قلة الحكم المهيمنة على الثروة والسلطة، وتحمي وجودها، واحتمال حيدتها بالتالى عن الدفاع عن المصالح القومية بمعناها العام يصير نتاجا طبيعيا لهذا التحيز.

إن تفكيك العناصر الاستبدادية فى بنية الدولة يقتضى بالضرورة البدء بالهيئات والمؤسسات المركزية فى عملية صنع القرار وتوجيه السياسات بالدولة، ولا يمكن العودة لمعني صحيح ورشيد لعمل قطاع الدفاع والأمن إلا باعادة توجيه تلك الهيئات على بوصلة الصالح العام وبارشاد منه دونما تحيز لفئة أو قلة، ودونما ممارسات تفتأت على حقوق المواطنين والشعب.

وإن ترسيخ مفهوم حديث وناهض للأمن القومي داخل الاجهزة الداعمة تقليديا لبنية الاستبداد يأخذ فى اعتباره حريات المواطن ويقدسها، ويستند لتصور للمصلحة العامة توافقي ومدعوم شعبيا بما يعكس رؤي وأولويات الجماعة الوطنية ودونما تحيز إنما هو البذرة التي يمكن من خلالها تفكيك هياكل عمل الاستبداد واعادة انتاجه.

لابد من البدء بزرع قيمة عظمي، جامعة، مفادها أن الديمقراطية هى آداة الاستقرار الأولي بعيدة الاثر، ووجودها وحماية بنيانها هو مصلحة قومية عليا والحيدة عنها بمثابة خيانة لهذه المصالح العليا تعكس فسادا فى الفهم وفسادا فى الحركة. لابد من نزع ثقافة "السمو المؤسسى" عن تلك المؤسسات بردها لحقائق البناء الاجتماعي فى الدولة، والتي تبدأ بأن السيادة للشعب وتترجم نفسها برقابة حية لهذا الشعب ومؤسسات تمثيله على تلك المؤسسات، وأن ما يوكل لهذه المؤسسات من أدوار الحماية وما يتاح لها من سلطات تخول لها إدارة آلة العنف لصالح الأمن واقرار القانون إنما يجب ألا يحيد عن الأصل فى هذه الوكالة، ولا يجب ألا يرتد ضد حرية ومصلحة هذا المانح للوكالة (الشعب). الديمقراطية قيمة واجراءت هى سبيل للنهضة والقوة.

هكذا يتفق فرقاء المجتمع على أن الديمقراطية مصلحة عليا، ومن ثم فالوقوف فى طريق هذه الإرادة الشعبية بالسعي لحماية قواعد الاستبداد واعادة انتاجه وحماية وجوده، هو قهر للإرادة العامة ودفع للجماهير لهامش العملية السياسية، وسرقة لحق الشعب فى الحرية والكرامة، وتمرد لا يليق بأجهزة تصف نفسها بالوطنية.

قمع الحريات وممارسة الفساد وحمايته هى وظيفة مميزة للهيئات التي يقوم عليها حكم الاستبداد. وفساد تلك الاجهزة يصير بديهية فى ظل تحيزها لقلة معينة دون مجموع المواطنين، وتصير حيدتها عن المصالح العامة صفة لصيقة بممارساتها. ومن هنا تجئ أهمية مقرطة هذه المؤسسات وتطبيق قواعد الحكم الرشيد عليها وترسيخ قيم المحاسبية وسبلها فى منظومة إدارتها، مع تفعيل ادوات الرقابة الخارجية الشعبية عليها. ويقع فى القلب من تلك الأجهزة المؤسسات الدفاعية والاستخبارية والأمنية والرقابية ومراكز دعم القرار على اختلافها.

إصلاح القطاع الدفاعي والأمني فى ظني هو الفيل الذى يربض فى غرفة حلم الديمقراطية، ولم ينتبه لوجوده كثيرين، وربما أعمت دعاة الإصلاح عن رؤية الفيل الضخم هذه الهالة من الاحترام التي نحيط بها الجيش، والتي تعكس توجها إيجابيا لا شك، لكنها تصل لحدود التقديس، وهو مالا يجب أن يكون، لأن من يقومون عليه هم بشر وشركاء فى هذا الوطن وليسوا بحال فوق هذا الشعب بل هم خدم له. وكذلك الحال بالنسبة للمؤسسات الأمنية الداخلية التي يغلب الخوف منها على احترامها، بسبب ما يتداول حول ميلها للقمع وممارساتها التى تبرزها كوحش أعمي كلما طالها أحد بالنقد وحاول كشف تحيزها وحيدتها عن المصلحة العامة.

ثمة ضرورة للبدء بالأكثر قوة وتأثيرا. البدء بالمخابرات أولوية منطقية وعملية، فالمخابرات تقع فى مركز أى عملية تستهدف إصلاح القطاع الأمنى لما لها من دور بارز فى توجيه أعمال الدفاع والتأثير الواسع على القرار السياسي والدفاعي. وإلي جانب كونها أولوية كموضوع للإصلاح، فهي قادرة على القيام بدور قاطرة هذا الإصلاح المبتغى. ومن المعروف أن وضع رؤية "وطنية" ذاتية لعملية اصلاح قطاع الدفاع والأمن والدفع بها قدما يمثل المهمة الأكثر صعوبة التي تواجه تلك البلدان الراغبة فى تطوير مؤسساتها الدفاعية ونظم عملها. وهذا لا يتأتي إلا باجراء مراجعة شاملة للأمن القومي وسياساته واستراتيجياته، بحيث يمكن التفرقة بين الأنشطة الأمنية والدفاعية والاستخبارية الشرعية وتلك الأنشطة غير الشرعية، ومن ثم يعاد النظر فى آليات منح التمويل من الميزانية العامة المأخوذة من دافع الضرائب (المواطن)، وترتيب الأولوية بين مطالب التمويل المختلفة على معيار شرعيتها فى ضوء أطر العمل التشريعية والقوانين المنظمة، وفى هدى من الحقوق والحريات العامة، ورؤية غير متحيزة للمصالح العامة.

ومما يعضد مقولة البدء بالمخابرات هو أن بإمكانها أن تقدم اسهاما بارزا فى انجاز الإصلاح الأمني من خلال تقديم تقديرات استخبارية دقيقة وحصيفة وغير منحازة لحجم المخاطر ونوعية التهديدات التى تواجهها الدولة، إلى جانب انخراطها ذاتها في عملية الإصلاح هذه. أجهزة المخابرات ذاتها تحتاج للتطوير الدورى بحيث تعود لبوصلة المصلحة العامة وفى القلب منها حريات وحقوق المواطنين، ولا حاجة لنا هنا لأن نورد أمثلة عديدة تورطت فيها اجهزة المخابرات فى ارتكاب انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وعملت فيها كسند رئيسي لنظم فاسدة ومستبدة، اوردت شعوبها ومصالح بلادها موارد التهلكة.

لهذا يصبح لزاما تطوير اجهزة المخابرات خصوصا وقطاع الأمن والدفاع على وجه العموم، خلال عملية التحول الديمقراطي عبر وضع تشريعات دقيقة ترسخ هذا الإصلاح.

الاثنين، 21 ديسمبر 2009

التعلم من إسرائيل 2: الجدل حول قضية الرقابة البرلمانية على المؤسسات الدفاعية والأمنية الإسرائيلية

نص مقال مهم للمراقب الداخلى السابق فى جهاز الأمن الاسرائيلى نقلا عن موقع المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية


مراقبة المؤسسة الأمنية

بقلم: أفيعيزر يعاري (*)

مدخل

مرّ مجال مراقبة المؤسسة الأمنية (الإسرائيلية) ولا يزال يمرّ بتغييرات تتجوهر في توسيع الرقابة وتعميق نفاذها وتغلغلها داخل المؤسسة.

والمؤسسة الأمنية هيئة مركبة تشمل عدداً كبيراً من المؤسسات والهيئات الدنيا، ولغاية العام 1987 كانت هناك مجالات– مواضيع وهيئات في المؤسسة الأمنية خارج نطاق الرقابة. لكن في ذاك العام قام رئيس الوزراء، إسحق شامير، بتغيير هذه السياسة وذلك في أعقاب قضية (فضيحة) الحافلة رقم 300، مؤكداً على وجوب خضوع سائر الهيئات والأجهزة الأمنية للمراقبة، ولا يزال تطبيق هذا القرار مستمراً حتى الآن لا سيما وأن الحديث يدور عن عملية طويلة تواكبها أحياناً خلافات في الرأي وسوء تفاهم، لكن المعارضة لها بدأت تخف بمرور الوقت، وصارت المراقبة، رغم سيرها البطيء، تنفذ إلى كل مكان.

والجدير بالإشارة أن هناك فرقًا بين مفهوم الرقابة ومفهوم المراقبة. فالرقابة تعني الإشراف على عملية أو معطيات بغية ضمان عمل سليم. في المقابل فإن المراقبة هي آلية أو إجراء أوسع يتناول أيضاً مضمون وسياسة تفعيل العملية.

وتشمل المراقبة والرقابة في المؤسسة الأمنية أربع هيئات إشراف وهي: الحكومة، الكنيست، مراقب الدولة والمراقب الداخلي.

هذا المقال سيركز، بعد تعريج سريع على الهيئتين الأوليين (الحكومة والكنيست)، على مناقشة دور الهيئتين الأخيرتين، مراقب الدولة والمراقب الداخلي.

هيئات الرقابة على المؤسسة الأمنية

في الحوار بين المستويين السياسي والعسكري يضطلع الإشراف، الذي يتم بواسطة آليات المراقبة والرقابة، بدور مركزي. وتسهم كل هيئة من هيئات الإشراف والمراقبة، طبقاً لطابعها الخاص. فالحكومة ترسم السياسة الأمنية وتوجه وتحدد طرق التنفيذ وتشرف على الأجهزة الأمنية في نطاق مهمتها كهيئة عليا في السلطة التنفيذية. ويقع ضمن صلاحيات الحكومة إعلان الحرب وإدارتها وتحديد التسويات السلمية. وتمارس الحكومة عملية الرقابة على المؤسسة الأمنية بواسطة خمس هيئات، أولها الحكومة بكامل هيئتها باعتبارها المسؤولة عن تعيين (أو إقالة) رئيس هيئة الأركان العامة للجيش ورؤساء أجهزة الأمن والاستخبارات. ومن صلاحية الحكومة بهيئتها الكاملة مناقشة أي موضوع له صلة بالإشراف على المؤسسة الأمنية. الهيئة الثانية هي اللجنة الوزارية لشؤون الأمن ومهمتها تحديد السياسة الأمنية وخطوط العمل ومتابعة وضعها موضع التنفيذ. الثالثة والرابعة هما وزارة الدفاع ومكتب رئيس الوزراء، المخولان بإصدار الأوامر وبمراقبة المؤسسة الأمنية. أما الهيئة الخامسة فهي مجلس الأمن القومي، الذي ورغم أهميته الكبيرة والتوصيات المتكررة بشأنه على مدى سنوات طوال، لم تترسخ مكانته بعد.

وتتولى الكنيست وضع القوانين المنظمة لمكانة ونشاطات أجهزة المؤسسة الأمنية وتراقب إقامتها وتمويلها وسير عملها، وهي (الكنيست) تمثل بذلك إرادة السلطة التشريعية وإرادة الناخب.

تراقب الكنيست المؤسسة الأمنية بواسطة ثلاث هيئات: الأولى الهيئة العامة الكاملة للكنيست التي تسن القوانين المنظمة لنشاطات الجيش مثل "قانون أساس الجيش" وقانون الخدمة العسكرية وقانون القضاء العسكري. والثانية هي لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست والرابعة لجنة مراقبة الدولة.

هذه الأمور لا يمكن أن تنفذ كما يجب بدون معرفة عميقة بما يجري داخل أجهزة الأمن أو دون إلمام بالمسائل الجوهرية والملموسة، ودون وجود الهيئات التي تشرف على إصلاح وتصحيح الثغرات والأخطاء التي تتكشف في أجهزة وعمل المؤسسة الأمنية. هذا الدور تضطلع به هيئات الرقابة، مكتب مراقب الدولة الذي يقدم تقريراً للكنيست، والمراقبون الداخليون الذين يقدمون تقارير لرؤسائهم.

بالإضافة إلى مراقبة الحكومة والكنيست هناك هيئتان أخريان للرقابة وهما: الشعبة الخاصة في مكتب مراقب الدولة والمسؤولة عن مراقبة المؤسسة الأمنية، والمراقب الداخلي في المؤسسة الأمنية (في وزارة الدفاع). هاتان الهيئتان ستكونان محور موضوعنا.

أوجه الشبه والاختلاف بين الهيئتين

هناك تشابه بين مجالات عمل مراقب الدولة ومراقب المؤسسة الأمنية، يصل أحياناً إلى حد التطابق التام ولهذا السبب ثمة حاجة للتنسيق بينهما.

ويرتكز التنسيق إلى فرضيتين بدهيتين: الأولى عدم القيام بعملية مراقبة للجهاز الذي خضع في السنة ذاتها لمراقبة الهيئة الأخرى. والثانية، عندما ترى إحدى الهيئتين أهمية أو إلحاحية في مسألة معينة، فإن الهيئة الأخرى مدعوة لتمكين الأولى من العمل والتصرف.

وكمثال على تجسيد هذه الفرضية – المسّلمة، ما قام به مراقب الدولة عام 1988 من مراقبة ونقد لعملية إعادة تنظيم وتحديث القوات في سلاح البحرية. فقد تحرى المراقب الأسباب التي جعلت قرار تحديث القوات يستغرق قرابة العشر سنوات. وكان المراقب الداخلي قد رأى، في أعقاب القرار، أهمية لمواصلة مراقبة إبرام العقود لشراء قطع بحرية وعمليات تنفيذ الطلبيات لغاية وصول القطع البحرية إلى البلاد.

وفي المرحلة التالية تقرر أن يواصل مراقب الدولة تفحص عملية تركيب المعدات التنفيذية على القطع البحرية والتي نفذت أعمالها بشكل أساسي من قبل الصناعات العسكرية الإسرائيلية، وهي هيئات تخصص مراقب الدولة في مراقبتها.

يبين تفحص القوانين الموجهة لعمل هيئتي الرقابة المذكورتين- "قانون أساس: مراقب الدولة" و"قانون الرقابة الداخلية"- أن ثمة تشابهًا بينهما أيضاً. فالهيئتان مخولتان بتفحص قانونية ونجاعة وادخار ونزاهة الهيئات والمؤسسات المراقبة. ويتمتع مراقب الدولة بصلاحيات أوسع من المراقب الداخلي، ولذلك فقد نصّ "قانون أساس مراقب الدولة" على أن مواضيع الرقابة تشمل أيضاً "أي موضوع آخر يراه المراقب ضرورياً".

هناك من يقول إن التطابق بين هيئتي الرقابة كبير جداً، بل وأكثر من الحد اللازم، ويشكك هؤلاء في مدى المساهمة الخاصة لمراقب الدولة في مراقبة المؤسسة الأمنية. فيما يرى آخرون أنه يجب إقامة تمييز أوضح بين مجالات الرقابة المختلفة لهيئتي الرقابة وعلى سبيل المثال التمييز بين مواضيع جوهرية ومبدئية وبين المواضيع المتعلقة بعمليات التنفيذ الروتينية. غير أن من الصعب جداً تحديد ما يجب أن يشمله مفهوم "موضوع جوهري". علاوة على ذلك فإن مراقب الدولة، بكونه ممثلاً للجمهور، هو بمثابة "عين عامة" ولذلك فإن من الأهمية بمكان أن يستمر في مراقبة أي موضوع في المؤسسة الأمنية. إلى ذلك، فإنه لا مجال لتقليص الرقابة نظراً لأن هناك دوماً ثغرات ونواقص تعتري الفحوصات والتحريات التي تجريها هيئات المراقبة.

على الرغم من التشابه الكبير، ظاهرياً، بين الهيئتين، إلاّ أن هناك عدة فروقات واختلافات مبدئية بينهما.

الأول، يكمن في أن مراقب الدولة يتمتع باستقلالية بموجب القانون ولا يخضع للحكومة. في المقابل فإن مراقب المؤسسة الأمنية، كسائر المراقبين الداخليين، يخضع لمسؤولية من يترأس جهازه، أي لوزير الدفاع. ويدين المراقب الداخلي بالولاء لرئيسه أو المسؤول عنه، وهو عضو في محفل هيئة الأركان العامة وطاقم وزير الدفاع. صحيح أن هذه الصلات القريبة تتيح للمراقب الإلمام بالخطط والإجراءات والقواعد (قواعد العمل)، لكنها تجعله في الوقت ذاته عرضة لضغوط ممكنة. إلى ذلك فإن ثمة فرقًا حتى في نطاق مجالات المراقبة. فنطاق معالجة مراقب الدولة، وخلافاً لمراقب الهيئة الأمنية (الداخلي)، يشمل جميع الهيئات والأجهزة التابعة للمؤسسة الأمنية، أي المؤسسات والدوائر الأمنية الخاضعة لوزارة الدفاع إضافة إلى الهيئات والدوائر التي تتبع مكتب رئيس الوزراء. وهناك فارق، اختلاف، آخر وهو خطة المراقبة الخاصة بمراقب الدولة، والتي يحددها بنفسه دون تدخل من طرف آخر، باستثناء حالات تتوجه فيها لجنة مراقبة الدولة إليه بطلب لمراقبة مسألة معينة كما حدث مثلاً في مسألة فحص حادث "تسئليم ب". في المقابل فإن خطة عمل المراقبين الداخليين توضع من قبل المسؤولين عنهم.

وتشكل مسألة الجهة التي يقدم لها المراقب تقاريره الفارق الجوهري الثالث بين مراقب الدولة والمراقب الداخلي. فمراقب الدولة يقدم التقارير عن عمله واستنتاجاته إلى الكنيست والجمهور، وأولاً لممثلي الجمهور، والمقصود لجنة مراقبة الدولة التابعة للكنيست والتي تبت في شأن أجزاء التقرير التي يجب أن تبقى سرية، والأجزاء التي يمكن نشرها.

في المقابل فإن المراقب الداخلي يقدم تقاريره فقط للوزير أو المسؤول المكلف وللهيئات التي تخضع لعملية الرقابة في مؤسسته، وتبقى تقارير المراقبة سرية وبعيدة في معظمها عن أنظار الجمهور.

هيئات الرقابة وقدرة التطبيق

تحتل مسألة قدرة المراقب على التطبيق أو الإلزام أهمية مركزية، إذ ما فائدة المراقبة إذا لم يجر تطبيقها وترجمة نتائجها. وفي الواقع، فلا شك في أن للمراقبة في إسرائيل تأثيرًا حاسمًا على عملية تحسين وتفعيل أداء الهيئات والمؤسسات الخاضعة للمراقبة، على الرغم من أن المراقب لا يمتلك أدوات إلزام وتطبيق ومحاسبة بموجب القانون (ما عدا في حالات تمويل الأحزاب وهو مجال لا يمت لموضوعنا بصلة).

فكيف تطبق الرقابة إذاً؟.

هناك عدة طرق ووسائل في هذا الصدد. أولاً، يقوم المراقب بعملية مراقبة معادة (ثانية) يتابع في نطاقها الهيئات التي راقبها في الماضي. ثانياً، تمتلك لجنة رقابة الدولة وكذلك اللجنة الوزارية للإدارة في مكتب رئيس الحكومة صلاحية الفحص والتفتيش على الهيئات التي خضعت لعملية المراقبة والتحقق فيما إذا كانت الثغرات والنواقص قد أصلحت. ثالثاً، يلزم القانون المراقبين الداخليين بالتحقق من تصحيح وإصلاح الأخطاء والثغرات التي وجدها المراقب.

وبالإضافة إلى هذه الوسائل، فإن لوسائل الإعلام أيضاً دورًا هامًا إذ باستطاعتها ممارسة ضغط للكشف عن أوجه الخلل والثغرات وتصحيحها. وتعتبر وسائل الإعلام عاملاً ذا قوة تأثير هائلة على ميل الهيئات والمؤسسات المراقبة لتصحيح الأخطاء والنواقص. وكل ذلك صحيح ولا غبار عليه، ولكن بدون التعاون من جانب الوزراء والمدراء والموظفين يمكن أن تبقى مساهمة الرقابة هامشية.

مواضيع الرقابة الأساسية

إن لتحديد المواضيع المركزية الجديرة بالرقابة أهمية بالغة ذلك لأن هذا الأمر يمنع تشتت وبعثرة الطاقات ويتيح حشد واستقطار الجهود. ومن المواضيع البارزة: جهوزية الحرب لأحوال طارئة، أهلية واستعداد الوحدات العسكرية، عمليات تطوير الأسلحة والذخائر، عمليات التخطيط السنوي والمتعدد السنوات، عمليات مشتريات السلاح والمعدات، استكمال وتفعيل نظريات القتال، عمليات استيعاب الطاقة البشرية وتأهيلها، النظام والانضباط، ميزانية الأمن وميزانيات الهيئات والأجهزة الأمنية.

وتشمل هذه القائمة مواضيع من اختصاص رقابة الدولة كالميزانيات والأجهزة الأمنية، إضافة إلى مواضيع من اختصاص المراقبة الداخلية كالجاهزية والتفتيش المفاجىء في الوحدات.

الجاهزية للحرب ولحالات الطوارىء: يتم في هذا المجال تحري درجة الجهوزية وسرعة الرد لدى الوحدات والأطر المختلفة كما تجري مراقبة عمليات التحضير والتهيئة التي تحتاج لوقت طويل: هل تستجيب الوحدات المختلفة لمتطلبات الجاهزية التي حددت لها ولعمليات استكمالها سواء أكان الأمر يتعلق بمستودعات الطوارىء أم بقسم الاستخبارات أو أية هيئة مركزية أخرى؟

وكمثال على هذه المسألة، مراقبة جاهزية واستعداد جهاز حالات الطوارىء، وهو جهاز يغطي سائر التجمعات السكانية وجميع وزارات الحكومة تقريباً ويشمل الكثير من المصانع والمنشآت والخدمات ولذلك فإن عملية استعداده وجاهزيته تحتاج لوقت طويل جداً.

أهلية الوحدات: على عكس البند السابق، فإن موضوع أهلية الوحدات يتعلق بالعمليات العميقة التي تشمل جميع المراحل، من مرحلة تخطيط وإقامة الوحدة وحتى مرحلة تحولها إلى وحدة تنفيذية.

وتتحرى الرقابة في هذا المجال جوانب مختلفة منها قرارات إقامة الوحدات – تشكيلها، قوامها، تسلحها، والبنى اللازمة لتفعيلها وإلى أي حد جرى التخطيط بشكل سليم وبالصورة المطلوبة.

ويجري هذا النوع من المراقبة على سبيل المثال في سلاح الجو في عملية استيعاب أسراب الطائرات الجديدة وعملية دمج دبابة "مركفاه 3" في سلاح المدرعات.

عمليات تطوير السلاح والذخيرة: يتعين على المراقب التركيز على مسألة نجاعة العملية الشائكة لتطوير وإنتاج منظومات السلاح والذخيرة، والتركيز على إدارة مراحل التطوير وانتظام التجارب ومراحل استيعاب هذه المنظومات كسلاح تنفيذي. هناك مسألة حساسة تتعلق بقرارات وقف مشاريع معينة، وفيما إذا اتخذت هذه القرارات في الوقت المناسب؟ وكمثال، ففي غضون العقد الممتد من 1985 حتى 1995 تم إلغاء مشاريع بحجم (تكلفة) يزيد عن نصف مليار دولار، عدا عن مشروع طائرة "لافي" الذي قدرت تكلفته بأكثر من مليار دولار.

عمليات التخطيط السنوي والمتعدد السنوات: تنصب مراقبة عمليات التخطيط على منهج التخطيط وطرق إتخاذ القرارات ومسألة درجة الإسهام الفعلي لعملية التخطيط في مواضيع التخطيط. مثل هذه المراقبة لعمليات التخطيط المتعدد السنوات والتي جرت على سبيل المثال في فترة عمل إيهود باراك كرئيس للأركان، ساهمت في تصويب عملية التخطيط التي اجتازت اختبار التنفيذ.

عمليات المشتريات: ينطوي هذا الموضوع على أهمية قصوى بحكم حجم النشاط وتأثيره على نظام وحجم القوات والميزانيات الموظفة في العملية. وتستوجب المصلحة العامة مراقبة ما يحدث في هذا المجال. وتركز الرقابة على الصفقات ذاتها وعلى إجراءات إعدادها.

استكمال وتفعيل نظرية القتال: على الرغم من كل الجدل المتصل بهذا الجانب، فإن لمراقبته أهمية قصوى وكذلك نتائج هذه المراقبة. على سبيل المثال، اتضح في أواخر التسعينيات أن الجيش الإسرائيلي لم يمتلك طوال سنوات وجوده نظرية عسكرية إسرائيلية مكتوبة متكاملة، وإنما نتف وأجزاء دون تكامل أو اتساق فيما بينها. وقد ساهم تقرير المراقبة في حث الجيش نحو العمل من أجل استكمال هذه العملية.

وفيما يتعلق بتفعيل النظرية الأمنية (العسكرية) فحصت الرقابة أيضاً درجة تطبيق مبدأ القتال الليلي. ويؤكد هذا المبدأ على القتال المتصل، ليلاً ونهاراً، إلى حين إلحاق الهزيمة بالعدو. وقد تبين من خلال فحص المراقب أنه لم يجر في معظم الحالات، في السابق، تفعيل أو تطبيق هذا المبدأ. رئيس الأركان احتج من جهته على تدخل المراقب في موضوع من هذا القبيل بدعوى أن قرار تطبيق أي مبدأ قتالي يقع ضمن صلاحيته واختصاصه فقط. إن باستطاعة المراقبة، دون المس بصلاحية رئيس الأركان، كشف الثغرات والعيوب في الاستعدادات لتطبيق المبدأ القتالي والإسهام في تصحيحها.

عمليات استيعاب الطاقة البشرية وتأهيلها ... تنصب المراقبة في هذه المواضيع على عملية تأهيل القوى البشرية للجيش، ابتداء من عمليات التجنيد والتتلمذ العسكري ودورات الضباط الأحداث وانتهاء بعمليات الترقية. إضافة إلى ذلك تركز الرقابة على تأهيل القوة البشرية المهنية وظروف الخدمة وأوضاع وحدات الاحتياط. هناك مثال بارز وهو المراقبة التي جرت في موضوع وحدات الاحتياط والتي تبين وجود مشكلات تعتريها في مجالين مركزيين، الأول استخدام وحدات الاحتياط في النشاطات الأمنية الجارية، والثاني تحضير قوات الاحتياط للحرب. وقد كشف المراقب فيما يتعلق بالمجال الأخير على سبيل المثال عن أن قادة ألوية وفرق الاحتياط لم يخدموا في منصبهم سوى فترة قصيرة لا تمكنهم من تمثّل واستيعاب دروس التدريب المتعلقة بقواتهم، نظراً لانتقالهم السريع من منصب إلى منصب، وهو ما يعني أن الدروس والعبر المستخلصة من التدريب الأول مثلاً لم تطبق في التدريب الثاني.

النظام والانضباط: تحققت على هذا الصعيد الهام إنجازات عديدة كان للمراقبة أيضاً مساهمة فيها. ويبرز في شكل خاص انخفاض حوادث التدريب وحوادث الطرق في الجيش. خلال عمليات المراقبة التي جرت في الثمانينيات تبين أن جزءاً لا يستهان به من قرارات رئيس هيئة الأركان العامة لم ينفذ بل ولم يصل إلى الأسفل (المراتب الدنيا) عبر "القناة البيروقراطية" وذلك بسبب ضعف الانضباط الذي يشكل مشكلة دائمة ومستحكمة تتطلب معالجة مستمرة.

ميزانية الأمن: تجري في هذا المضمار رقابة متواصلة على عمليات تخطيط الميزانيات في المؤسسة الأمنية وعلى طرق وضعها موضع التنفيذ. وهو موضوع شائك يصعب حصره أو الإحاطة به ويتطلب قوى بشرية كفؤة وملمة.

مصاعب ومعضلات في عمل المراقب

تصاحب عملية المراقبة مصاعب تقيد وتعيق مهمتها. المشكلة الأولى تتمثل في ضعف الموارد المخصصة لهذا الغرض. وللتدليل فإن شعبة مراقبة المؤسسة الأمنية في مكتب مراقب الدولة تضم خمسين موظفاً فقط، وهي مجموعة مقلصة لا تستطيع ممارسة رقابة دائمة بصورة مرضية على جميع هذه الأجهزة والهيئات المركبة ومن هنا تنشأ فجوات وانقطاع بين عملية مراقبة وأخرى.

المعضلة الثانية تتمثل في المهنية. فقد ترسخ في إسرائيل عرف مؤداه أن المراقب لا يقوم بمراقبة مهنية الجهات والهيئات التي تخضع للمراقبة وإنما فقط الطرق التي تعمل بها وتطبق من خلالها استنتاجات المراقبة. والسؤال المطروح: ما هي حدود المهنية وهل من المحبذ أن ينشغل المراقب أيضاً بجوانب مهنية؟ في الولايات المتحدة مثلاً توصلوا لإجابة إيجابية على هذا السؤال حيث تشمل الرقابة في المؤسسة العسكرية الأميركية مسألة المهنية أيضاً. هناك نقطة أخرى في هذا الخصوص تتعلق بخلفية المراقبين. في الشعبة الأمنية بمكتب مراقب الدولة تم التوصل لاستنتاج بأنه على الرغم من أن الأشخاص المؤهلين يستطيعون مواجهة أية مسألة إلاّ أن ذلك لا يكفي، بل هناك ضرورة أيضاً لأشخاص ذوي خلفية أمنية – عسكرية. وبالفعل عمدت الشعبة المذكورة خلال العقد الأخير إلى تشغيل مجموعة تضم نحو عشرة ضباط كبار ليشاركوا في عملية الرقابة الموكلة إليها.

وتشكل مسألة حدود المراقبة معضلة أخرى. ينص "قانون أساس: مراقب الدولة" على حق المراقب في مراقبة أي موضوع يرتئيه مناسباً. غير أن مواضيع من قبيل عملية اتخاذ القرارات، ونظرية القتال ومنطق السياسة التنظيمية ومراقبة الحكومة، كانت ولا تزال موضع خلاف بشأن ما إذا كان مراقب الدولة مخولاً ببحثها والطريقة أو الكيفية التي يتعين عليه إتباعها في التعامل مع مثل هذه المواضيع.

وفي سياق معارضة توسيع المراقبة طرح إدعاء مفاده أن المراقبة تولد أحياناً قيداً على حرية اتخاذ القرارات من جانب المسؤولين. بيد أن هذا الرأي لا يصمد بوجه عام أمام اختبار الواقع.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك عملية المراقبة، التي تحولت إلى فضيحة سياسية، فيما يتعلق بنوعية حماية السكان بواسطة القناعات الواقية من الغازات خلال حرب الخليج الأولى عام 1991. وقد كان هناك من أدعى أن نتيجة المراقبة ستكون استثمار موارد أكثر من اللازم في تزويد السكان بوسائل وقاية وذلك على حساب الموارد الموظفة في تعزيز القدرة القتالية. وأضاف هؤلاء المعارضون أن تدخل الرقابة سيؤثر سلباً ويثقل على قدرة اتخاذ القرار لدى صانع القرارات. غير أن الأحداث التي حصلت فيما بعد أثبتت أن التخلف في تهيئة الجبهة الداخلية سيتسبب، في وقت لاحق، بعمليات إنفاق متسرعة وكبيرة.

هناك معضلة أخرى تتناول توقيت إجراء المراقبة. ويقضي التوجه "التدخلي" بأن على المراقب أن يتدخل وأن يقوم بإجراء الرقابة في وقت صيرورة العملية، أي خلال العمل والنشاط. في حين يقول التوجه "السلبي" إنه لا يجوز التدخل في العملية وإنما التريث والانتظار حتى تنتهي، بمراقبة نتائجها واستخلاص العبر من ذلك. غير أن هذا التوجه غير منطقي في الحالات التي يمكن فيها للمراقبة منع حدوث تطورات سلبية. ثمة مثال بارز على الجدل حول مسألة توقيت المراقبة، ورد في تقرير مراقبة إدارة مشروع طائرة "لافي" والذي نشر قبل شهر واحد من اتخاذ القرار بإلغاء المشروع في صيف العام 1987.

وقد عارض وزير الدفاع وقتئذٍ، موشيه آرنس، الذي كان من المؤيدين المتحمسين للمشروع حتى أنه استقال من منصبه الوزاري عقب إلغاء المشروع، عارض بشدة نشر التقرير المذكور قبل القرار نظراً لأنه (آرنس) رأى في ذلك محاولة للتأثير على عملية اتخاذ القرار، لا سيما وأن الأمر يتعلق – حسب رأيه – بقرار خاطىء من أساسه.

خلاصة القول، يمكن الإشارة إلى أن الرقابة العامة والداخلية على حد سواء سارتا خلال العقدين الأخيرين خطوات كبيرة إلى الأمام، حيث تقدم التشريع ولم تبق مجالات خارج نطاق المراقبة، كذلك فقد ازداد حجم وعمق عملية المراقبة. ولعل الأهم من كل ذلك هو الوعي المتزايد في صفوف الهيئات والمؤسسات المراقبة والقائمين على إدارتها، بأن فائدة المراقبة أهم بما لا يقاس من الشعور بعدم الارتياح الناجم عن العملية، وأنها – الرقابة – تغدو في يد المدراء والمسؤولين وسيلة إدارة ناجعة وهامة.

التعلم من إسرائيل: الجدل حول قضية الرقابة البرلمانية على المؤسسات الدفاعية والأمنية الإسرائيلية

الانتقادات داخل إسرائيل بسبب غياب الرقابة على أجهزة الأمن والدفاع يمكن رصدها بوضوح، فى حين يغيب هنا فى مصر أى صوت ناقد لمثل هذه الأوضاع الغريبة، هناك فى إسرائيل يتيح النظام الديمقراطي الباب واسعا للانتقاد العلني لهذا الحال ويسمح بمناقشات مستفيضة حول اثره على الديمقراطية. الدكتور روبين بدهتسور، المتخصص فى الشئون الاستراتيجية انتقد فى دراسة له عدم الرقابة على وضع الميزانيات الدفاعية والأمنية، وعدم وجود رقابة على هيكلية الجيش الاسرائيلى، وعلى عمليات تطوير الأجهزة القتالية، ومشتروات السلاح، ورواتب الجنود، وآليات تعيين الضباط والقيادات العسكرية، معتبر كل ذلك ذا أثر سلبي على مستقبل الدولة وهيكلية الاقتصاد وشخصية المجتمع الإسرائيلى. ويضيف أنه في غياب أشكال الرقابة الفعالة من خارج المؤسسة العسكرية فإن تلافى حدوث الأخطاء فى الانفاق المالى يكون مستحيلا، ويصعب تجنب مشتروات سلاح غير ضرورية ولا يمكن مراقبة الميزانية الدفاعية التى تقضم جزء عظيما من الميزانية القومية بما يفوق مثيلاتها فى كل الدول الغربية.. وفى ظنى فإن ما وجهه بدهتسور لقطاع الدفاع فى اسرائيل يصدق وبشدة فى حالة مصر.

عضو الكنيست دان تيخون عضو لجنة الخارجية والأمن السابق هتف متسائلا : هل توجد رقابة مدنية على الجيش وجهاز الدفاع، ويجيب، لا.. ليست موجودة، والمسئولية فى هذا الوضع تقع على اعضاء الكنيست ممن اعتادو التغطية على كل حادثة تلم بهذا الجهاز. أعضاء الكنيست عادة ما لا يحركون ساكنا أمام الجيش. ويشير بدهتسور إلى أن السبب هو تذرع الأعضاء بحجة عدم الفهم، والاضطرار للموافقة على طلبات تمويل التسلح دون مناقشة لأنها تأتي وتطلب على عجل، .

روبين رفلين رئيس الكنيست السابق ورئيس لجنة الشئون الخارجية والأمن يوفال شتاينتس أسسا لجنة شعبية برئاسة أمنون روبنشتاين بغرض دراسة الرقابة البرلمانية على أجهزة الدفاع وسبل تحسينها ضمت آمنون شاحاك ودان شومرون رئيسي الأركان السابقين. قدم روبنشتاين تقريره الذى أفاد أن الرقابة البرلمانية من قبل لجنة الشئون الخارجية والأمن جزئية وفاسدة وعشوائية. المشكلة كما يحدد بدهتسور ليست فى عدم توافر سبل الرقابة البرلمانية، إذ أنها متوافرة وسارية، إنما المشكل هو عدم الرغبة فى تفعيلها من قبل أعضاء اللجنة لأنهم يعيشون هذا الهاجس الموروث القائل بأن الرقابة على أجهزة ومؤسسات الدفاع والجيش قد تمس بقدرته على آداء مهامه، ومن ثم لم تطرح هذه اللجنة المخولة سلطة الرقابة ومناقشة مطالب الجيش وأحواله أى بديل للرؤي والمواقف التى يطرحها الجيش أمامها، ولم تقم بالضغط لتغيير سياسة الجيش وطريقة عمله وهيكليته أو تسلحه. حتى أن هذه اللجنة ليست لها رأى فى قضايا الأمن القومي، وكأنها لجنة صورية كل عملها هو الموافقة ومنح الشرعية، اللجان المناظرة لها فى برلمانات بريطانيا والولايات المتحدة وغيرهما من الدول الديمقراطية تنشر تقارير عن الأمن القومي وقضاياه توجه وترشد.

بدهتسور ينتقد توصيات لجنة روبنشتاين التى جعلت الحل فى انشاء لجنة جديدة مشتركة بين الخارجية والأمن ولجنة الدستور والقانون، حل بيروقراطي يتذرع بضرورة معالجة مسائل حقوق الإنسان فى المناطق المحتلة، كأن المشكل هو غياب هيئة تتابع ما يجرى فى المناطق المحتلة، وليس عدم قيام لجنة الشئون الخارجية والدفاع بدورها وهروب اعضاءها عن آداء واجب متابعة ما يجري فى ميدان الحرب هناك. وينعي بدهتسور على اللجنة هذا ويؤكد عدم وجود نقاش جدي واحد حول سياسة الجيش فى مناطق الاحتلال ومن ثم انعدام أى تأثير للبرلمان على تلك السياسات. يقول بدهتسور اللجنة قالت فى معرض تطرقها لميزانية الدفاع أننا تعلمنا أن الرقابة على الميزانية المقترحة فى حها الأدني، إلا أنهم يكتفون مرة أخرى بتوصية لتغيير الهيكلية من خلال تشكيل لجنة خاصة لميزانية الدفاع شكلت منذ سنوات، وقد تميزت منذ تشكيلها بالدعم التام لمطالب الجيش وزيادة ميزانيته

المتابعون