الجمعة، 25 ديسمبر 2009

البدء بالمخابرات

من السمات المميزة لنظم الحكم المستبدة أن تجد تحيزا وممارسات قمعية وفاسدة من آلة القوة التي تحتكرها الدولة وفى المركز منها تلك الأجهزة المنتمية لقطاع الأمن والدفاع. إن عمل هذه الأجهزة لصالح قلة حاكمة لا تغطيها شرعية ديمقراطية هى السمة الأبرز فى بنية الاستبداد فى البلدان المتخلفة سياسيا. فثمة مؤسسات تعني بالدفاع عن مصالح قلة الحكم المهيمنة على الثروة والسلطة، وتحمي وجودها، واحتمال حيدتها بالتالى عن الدفاع عن المصالح القومية بمعناها العام يصير نتاجا طبيعيا لهذا التحيز.

إن تفكيك العناصر الاستبدادية فى بنية الدولة يقتضى بالضرورة البدء بالهيئات والمؤسسات المركزية فى عملية صنع القرار وتوجيه السياسات بالدولة، ولا يمكن العودة لمعني صحيح ورشيد لعمل قطاع الدفاع والأمن إلا باعادة توجيه تلك الهيئات على بوصلة الصالح العام وبارشاد منه دونما تحيز لفئة أو قلة، ودونما ممارسات تفتأت على حقوق المواطنين والشعب.

وإن ترسيخ مفهوم حديث وناهض للأمن القومي داخل الاجهزة الداعمة تقليديا لبنية الاستبداد يأخذ فى اعتباره حريات المواطن ويقدسها، ويستند لتصور للمصلحة العامة توافقي ومدعوم شعبيا بما يعكس رؤي وأولويات الجماعة الوطنية ودونما تحيز إنما هو البذرة التي يمكن من خلالها تفكيك هياكل عمل الاستبداد واعادة انتاجه.

لابد من البدء بزرع قيمة عظمي، جامعة، مفادها أن الديمقراطية هى آداة الاستقرار الأولي بعيدة الاثر، ووجودها وحماية بنيانها هو مصلحة قومية عليا والحيدة عنها بمثابة خيانة لهذه المصالح العليا تعكس فسادا فى الفهم وفسادا فى الحركة. لابد من نزع ثقافة "السمو المؤسسى" عن تلك المؤسسات بردها لحقائق البناء الاجتماعي فى الدولة، والتي تبدأ بأن السيادة للشعب وتترجم نفسها برقابة حية لهذا الشعب ومؤسسات تمثيله على تلك المؤسسات، وأن ما يوكل لهذه المؤسسات من أدوار الحماية وما يتاح لها من سلطات تخول لها إدارة آلة العنف لصالح الأمن واقرار القانون إنما يجب ألا يحيد عن الأصل فى هذه الوكالة، ولا يجب ألا يرتد ضد حرية ومصلحة هذا المانح للوكالة (الشعب). الديمقراطية قيمة واجراءت هى سبيل للنهضة والقوة.

هكذا يتفق فرقاء المجتمع على أن الديمقراطية مصلحة عليا، ومن ثم فالوقوف فى طريق هذه الإرادة الشعبية بالسعي لحماية قواعد الاستبداد واعادة انتاجه وحماية وجوده، هو قهر للإرادة العامة ودفع للجماهير لهامش العملية السياسية، وسرقة لحق الشعب فى الحرية والكرامة، وتمرد لا يليق بأجهزة تصف نفسها بالوطنية.

قمع الحريات وممارسة الفساد وحمايته هى وظيفة مميزة للهيئات التي يقوم عليها حكم الاستبداد. وفساد تلك الاجهزة يصير بديهية فى ظل تحيزها لقلة معينة دون مجموع المواطنين، وتصير حيدتها عن المصالح العامة صفة لصيقة بممارساتها. ومن هنا تجئ أهمية مقرطة هذه المؤسسات وتطبيق قواعد الحكم الرشيد عليها وترسيخ قيم المحاسبية وسبلها فى منظومة إدارتها، مع تفعيل ادوات الرقابة الخارجية الشعبية عليها. ويقع فى القلب من تلك الأجهزة المؤسسات الدفاعية والاستخبارية والأمنية والرقابية ومراكز دعم القرار على اختلافها.

إصلاح القطاع الدفاعي والأمني فى ظني هو الفيل الذى يربض فى غرفة حلم الديمقراطية، ولم ينتبه لوجوده كثيرين، وربما أعمت دعاة الإصلاح عن رؤية الفيل الضخم هذه الهالة من الاحترام التي نحيط بها الجيش، والتي تعكس توجها إيجابيا لا شك، لكنها تصل لحدود التقديس، وهو مالا يجب أن يكون، لأن من يقومون عليه هم بشر وشركاء فى هذا الوطن وليسوا بحال فوق هذا الشعب بل هم خدم له. وكذلك الحال بالنسبة للمؤسسات الأمنية الداخلية التي يغلب الخوف منها على احترامها، بسبب ما يتداول حول ميلها للقمع وممارساتها التى تبرزها كوحش أعمي كلما طالها أحد بالنقد وحاول كشف تحيزها وحيدتها عن المصلحة العامة.

ثمة ضرورة للبدء بالأكثر قوة وتأثيرا. البدء بالمخابرات أولوية منطقية وعملية، فالمخابرات تقع فى مركز أى عملية تستهدف إصلاح القطاع الأمنى لما لها من دور بارز فى توجيه أعمال الدفاع والتأثير الواسع على القرار السياسي والدفاعي. وإلي جانب كونها أولوية كموضوع للإصلاح، فهي قادرة على القيام بدور قاطرة هذا الإصلاح المبتغى. ومن المعروف أن وضع رؤية "وطنية" ذاتية لعملية اصلاح قطاع الدفاع والأمن والدفع بها قدما يمثل المهمة الأكثر صعوبة التي تواجه تلك البلدان الراغبة فى تطوير مؤسساتها الدفاعية ونظم عملها. وهذا لا يتأتي إلا باجراء مراجعة شاملة للأمن القومي وسياساته واستراتيجياته، بحيث يمكن التفرقة بين الأنشطة الأمنية والدفاعية والاستخبارية الشرعية وتلك الأنشطة غير الشرعية، ومن ثم يعاد النظر فى آليات منح التمويل من الميزانية العامة المأخوذة من دافع الضرائب (المواطن)، وترتيب الأولوية بين مطالب التمويل المختلفة على معيار شرعيتها فى ضوء أطر العمل التشريعية والقوانين المنظمة، وفى هدى من الحقوق والحريات العامة، ورؤية غير متحيزة للمصالح العامة.

ومما يعضد مقولة البدء بالمخابرات هو أن بإمكانها أن تقدم اسهاما بارزا فى انجاز الإصلاح الأمني من خلال تقديم تقديرات استخبارية دقيقة وحصيفة وغير منحازة لحجم المخاطر ونوعية التهديدات التى تواجهها الدولة، إلى جانب انخراطها ذاتها في عملية الإصلاح هذه. أجهزة المخابرات ذاتها تحتاج للتطوير الدورى بحيث تعود لبوصلة المصلحة العامة وفى القلب منها حريات وحقوق المواطنين، ولا حاجة لنا هنا لأن نورد أمثلة عديدة تورطت فيها اجهزة المخابرات فى ارتكاب انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وعملت فيها كسند رئيسي لنظم فاسدة ومستبدة، اوردت شعوبها ومصالح بلادها موارد التهلكة.

لهذا يصبح لزاما تطوير اجهزة المخابرات خصوصا وقطاع الأمن والدفاع على وجه العموم، خلال عملية التحول الديمقراطي عبر وضع تشريعات دقيقة ترسخ هذا الإصلاح.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المتابعون