ترسم الأطر التشريعية والقانونية تلك الأهداف التي يوكلها الشعب لمؤسسات الأمن والمخابرات، وتحدد حدود عملها، وكيفية التنسيق والتعاون بين هذه الهيئات فى أعمال جمع المعلومات. كما أنها بمثابة دليل الإرشاد لإجراءات الرقابة والمحاسبية الواجب تطبيقها على أعمال هذه الأجهزة. وبداية نؤكد أن مثل هذه التشريعات لا تكون فعالة إلا عندما تنجح فى التوفيق بين مطلبين يبدوان فى ظاهرهما متعارضين، مطلب إعمال الرقابة الخارجية عليها ومطلب إحاطة أعمال هذه الأجهزة بالسرية.
إن وضع أرضية تشريعية قوية لأجهزة المخابرات يوفر لها حزمة من مؤشرات فعالة لتوجيه أنشطتها بهدي من حريات المواطنين الدستورية، وتمنحها إطارا شرعيا يحظي بدعم شعبي وثقة عامة للعمل وتؤكد أن ممارساتها تأني من دوافع المصلحة العامة دون افتئات على القانون والحريات أو بتغييب لهما لصالح فرد أو قلة.
وترسم تلك التشريعات حدود الوكالة الممنوحة من الشعب للمخابرات، وطريقة ممارستها للسلطة. ولا حاجة لنا للقول بأنه لا تحظي أعمال المخابرات بالشرعية إلا إذا أسست على القانون، لكن الكثيرين فى قطاعات الأمن والدفاع وبسبب من سيادة ثقافة "السمو المؤسسى" الأسطورية لديهم والتي لا تستند لصحيح قانوني او دستورى او وطني، ونتاج لميل كثيرين من دهاقنتهم للتشدق بتعبيرات من عينة الهيئات السيادية والهيئات الحساسة بما يمنح شعورا زائفا بالتفوق والسمو فوق الشعب، فلا يدركون أهمية حصولهم على الغطاء القانوني وأهمية التزامهم بحدود الشرعية، وضرورات فهم الأصل فى ما لديهم من سلطة وحقيقة أن مردها للشعب وأن هدفها الأسمي هو خدمته فى عمومه وليس خدمة قلة منه.
ولا تحظي أجهزة المخابرات بالشرعية إلا إذا أسست سلطتها على تشريع عام يستلهم القيم الدستورية وعلى رأسها حماية حقوق المواطن ومصلحة الشعب، التي يحددها لنفسه، ويضع قواعد واضحة للمحاسبية والرقابة والغلزام لهذه الأجهزة، ويحدد معنى واجراءات مسئوليتها أمام المجتمع وممثلى الشعب.
ربما الرهان على التشريع وحده لا يجدي فى تأصيل القيم الديمقراطية داخل مؤسسات المخابرات، لكن هذا التشريع ضرورى وإن ليس بكاف. إذ أنه يمثل تلك الأرضية الفكرية والدستورية للتطوير والتي إن توافقت مع إرادة سياسية للإصلاح تدعمها ضغوط شعبية تنادي بالديمقراطية ومنع تغول المؤسسات على حقوق الشعب، بما يدفع صانع القرار لتبني توجهاتها لحدث تحول كبير وضخم فى كيفية ممارسة السياسة والسلطة فى الدولة. إن تغول واستبداد اهل السلطة يعود فى المقام الأول لوجود درع مؤسسية للحماية ضد الرقابة المجتمعية، بما يمنحهم هذا الشعور بالتمتع بسلطة مطلقة فى توجيه آلة العنف والقوة دون التقيد بالقانون، ويجعلهم يقومون بإعادة تشكيل هياكل عمل وأنشطة هذه الآلة المتحكمة فى أدوات القوة والعنف على نحو غير شرعي أو ديمقراطي.
آليات المحاسبية التي تضعها الأطر القانونية الديمقراطية للمخابرات يجب أن ترسخ فى نظم إدارة هذه الأجهزة، ويوضع لها من الهياكل ولوائح العمل وقواعد الاثابة والعقاب ما يجعل الخروج عنها من قبل الموظف العام ومخالفتها غير مرغوب لما سيترتب عليه من آثار مباشرة تهدد وجوده الوظيفي فى هذه الهيئات. إن النجاح فى إنجاز تغيير ديمقراطي مستديم الأثر داخل هذه الاجهزة صاحبة التاريخ الطويل فى الاستقلال شبه المطلق بالقرار والتي تعودت على انعدام أي شكل من أشكال الرقابة الخارجية الملزمة من قبل أجهزة التشريع والقضاء فى الدولة، والشعور بالحرية الكاملة فى ممارسة أعمال تقع فى حيز غير المشروع والمضاد للصالح العام، يتطلب إرادة سياسية للتغيير طويل النفس، مع تطبيق نظم رقابة داخلية وخارجية متناسقة وفعالة.
الرقابة الداخلية توجد فى الكثير من هذه الأجهزة، لكنها عادة ما تعني بالتحكم والسيطرة وليس بالالتزام بالقانون وقواعد المحاسبية والحكم الرشيد، لكن ما تفتقر إليه مؤسسات المخابرات هو عملية معلوماتية يجري من خلالها إلزامها بالتزامات قانونية تتعلق "بالرد الكامل والصادق" على الأسئلة التي توجه لها من قبل سلطة إلزام شعبية وقضائية يقف جهاز المخابرات كمسئول أمامها (كالبرلمان، ولجان الرقابة على اعمال المخابرات، والقضاء).
عناصر المراقبة الفعالة والمحاسبية يجب أن تتضمن:
- محاسبية تنفيذية، فبسبب الطابع السري لعمل المخابرات، فغن التحكم الفعال والسيطرة على أعمالها يجري عبر مسئول تنفيذى كوزير المخابرات مثلا ، وهذا المسئول عادة ما يحتاج لسلطة قانونية كاملة تتيح له التحكم والسيطرة على الأعمال الاستخبارية، ومن هذه السلطات حق طلب المعلومات من كافة الإدارات والأجهزة.
- المراقبة البرلمانية، وهي مراقبة لها اجراءات تضمن أن هذه الأجهزة تخدم الدولة ككل وليس فصيل سياسى بعينه، أو مصالح محدودة بعينها، وفق إطار للمحاسبية الديمقراطية. إن اشتراك أعضاء البرلمان بفاعلية فى أعمال الرقابة على مؤسسات المخابرات يسهم فى ضمان أن التمويل العام قد جري استخدامه على نحو صحيح يخدم المصلحة الوطنية وقيمة الديمقراطية وبغير فساد أو إهدار، ومن المعروف أن سلطة منح ومنع التمويل العام هى الآداة الأبرز فى يد أعضاء البرلمان لإلزام تلك أجهزة الدولة بالمصلحة العامة. وثمة العديد من الاجراءات التى جربت فى عدد من الدول الديمقراطية لوضع أشكال فعالة لهذه الرقابة تخلق التوازن بين الحاجة للامن وضرورات صون الحرية، يمكنها الوقاية من الفساد والتغول والانحياز داخل تلك المؤسسات.
- الإلزام بالقانون: المراجعة القضائية هى الآداة الرئيسية للتأكد من اقرار والتزام الأجهزة والمؤسسات المخابراتية بالقوانين والأطر التشريعية الموضوعة لها. القضاة واللجان القضائية ، الذين يختاروا وفق قواعد خاصة والمستقلون عن الجهاز التنفيذى للدولة يمكنهم تشكيل آداة إلزام تحمي من تغول هذه المؤسسات وتمنع افرادها من الحيدة عن المصلحة العامة والقانون وتحد من ممارسة الفساد. إن للمحاكم دور كبير فى حماية الحقوق الشخصية للأفراد إزاء هذه المؤسسات، ويجب وجود آلية إلزام بوقوف المتورطين فى انتهاكات ضد المواطنين بغض النظر عن وضعية مؤسساتهم أمام القضاء. ثمة ضرورة لإيجاد توازنات بين الحاجة لمنح حصانة قانونية للعاملين فى تلك الأجهزة وسمو حقوق المواطنين، بحيث لا تتحول الحصانة الممنوحة للمنتمين لأجهزة المخابرات لآداة تنتج منتوجا عكسيا وتصير سببا فى تقليص وهدر حقوق المواطن، وبحيث لا تصبح هى التقية التي يتخفى وارءها الفاسدون. إن الرقابة القضائية مهمة لوضع الحدود الواضحة وخلق اليات توازن فعالة بين حقوق الأفراد الواجب صونها دائما والحاجة لجمع المعلومات الضرورية لحفظ الامن والاستقرار.
عملية تطوير تشريعات المخابرات بردها للقيم الدستورية والحكم الرشيد والمحاسبية جرت فى العديد من الدول، وتأمل بعض من هذه التجارب يشير لعدة اعتبارات يجب أخذها فى الحسبان، ودروس يجب التعلم منها:
- ضرورة تحديد مهمة المخابرات على نحو دقيق، بحيث تكون هذه المهمة هى المبرر لكافة الأنشطة التي تقوم بها أجهزتها وأفرادها وليس شيئا سواها، والتشريع يمكن أن يستخدم فى ترسيم هذه الحدود الواضحة بين الوكالات والأجهزة العاملة فى المخابرات، وتضع قواعد للتخصص وتقسيم العمل بين داخلى وخارجي، وبين مدني وعسكري، وكذلك للتفرقة بين نوعية الأنشطة التي يجري إنجازها.
- إيجاد آلية للتنسيق الداخلي والمراقبة والمحاسبية مما يعضد عمل المخابرات فى إطار من الشرعية القانونية.
- التنسيق المركزي يؤكد على أن اعمال أجهزة المخابرات والإدارات التابعة لها لا تكرر الجهود ولا تتقاطع فيها السلطة، ويقي من مخاطر الوقوع فى المنافسة العدائية بين الأجهزة، ووجود فجوات معلوماتية، ويضمن جمعا وتصنيفا وتحليلا فعالا ومتكاملا للمعلومات يصل لصانع القرار فى وقته المناسب بما يدعم حماية مصالح الدولة وتحصيلها.
- لابد من التنسيق بين اجراءات الرقابة الداخلية التنفيذية وتلك الخارجية الشعبية والقضائية.
- إن الرقابة المركزية الفعالة والمتناسقة تؤكد للرأي العام أن كل امكانيات وموارد تلك الأجهزة والمؤسسات التى وفرها لها دافع الضرائب تستخدم على نحو فاعل لحماية مصالحه وأمنه وهى محمية من أى عبث أو إهدار أو فساد عبر جهاز واحد. ومتطلب أساسي فى اى تشريع للمخابرات هو أن يرسم خطوط واضحة للمحاسبة والمسئولية، ويرفع وعي أفراد المخابرات بها، ويضمن انصياعهم جميعا لقيادة منتخبة ديمقراطيا، ولممثلى الشعب المنتخبين ديمقراطيا. بحيث لا توجد أيه ذريعة للقول بأن إدراك المخابرات للمصلحة العامة وتحديدها ورسم طرق حمايتها ينبع من داخل المخابرات ذاتها دون حاجه لأن تفرض عليها تلك الرؤى من خارج المؤسسة، أو أن تفرض عليها مراجعات من أى جهة فى الدولة تمثل الشعب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق