وقد قوبلت دعوتي لادراج مسألة الرقابة الديمقراطية علي قطاع الدفاع والأمن في هذه النقاشات - خصوصاً بين قوي المعارضة الجديدة -بفتور شديد، وقال أحد الزملاء المتخصصين ممن اطلعوا علي المدونة ساخراً إنني أقفز عشرة مراحل في مسار الديمقراطية، بهذا الطرح. وكان ردي أن العسكر هم المسكوت عنه الأكبر في قضية التحول الديمقراطي في مصر، وأنه لا ديمقراطية سيراها هذا البلد دون حسم حدود دورهم وتفاصيل هذا الأمر.
ولعله من حسن الطالع الذي تأخر كثيراً، أن احتدم الجدل الآن بين القوي السياسية حول دور المؤسسة العسكرية في الدولة، ومدي التزامها بمبدأ السيطرة المدنية. بعدما حرك الفيل رأسه معلناً عن وجوده. الآن ونحن تحت حكم مجلس أعلي يضم تسعة عشر قائداً يمثلون زمرة القيادة العسكرية العليا في البلاد، ويدير شؤونها، ويمارس مهام السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، بدأنا نسمع أصوات من يطالبون بتحصين القوات المسلحة، مرددين قول حق، يراد به الباطل السياسي عينه. إنهم بزعمهم تحصين القوات المسلحة من أهواء الحاكم الفرد، يضعوننا أمام خيار خطر، وهو وضع مفاتيح كل ما يتعلق بأمن البلاد في يد تلك الزمرة الصغيرة من القادة. ذلك، دون وضع أدني اطار ديمقراطي لهذه الحماية، ولا دون افتراض تغول المؤسسة العسكرية - التي أفردوها بالقرار- علي إرادة الشعب، رغم أن التاريخ الحديث المعروف لمتوسطي المعرفة قبل المتخصصين، زاخر بالوقائع المشابهة لاستبداد العسكر، والتي كان مبعثها اغواء السلطة المطلقة مع امتلاك أدوات العنف. وكانت نتيجة هذه التجارب المأساوية أن أهدرت سنينا من عمر المجتمعات وعطلت طموحاتها للنهضة والتنمية والحرية. تعمد هؤلاء تجاهل درس التاريخ، بل وأغمضوا الطرف عن الواقع المعاين من حولنا، ناهيك أنهم لم يتتبعوا التطور الكبير للرقابة الديمقراطية وكيفية تحقيق ضوابطها في قطاع الدفاع في دول كثيرة حول العالم متقدمة وعالمثالثية. بل ولم ينظروا لعدوتنا اسرائيل المشهورة بهوس الأمن القومي، والمتخم الحكم فيها بحجج تقود لوجود العسكريين في الواقع السياسي بقوة، ورغم هذا تشهد جدالا كبيرا وناضجاً حول مسائل الرقابة الديمقراطية، وسبل تطبيقها.
ويبدو أن تذكير هؤلاء الذين يزعمون أن مدخل طروحاتهم ديمقراطي، وأنهم يستلهمون النماذج الديمقراطية الراسخة، وتعريف أشياعهم بألف باء ديمقراطية قد صار واجباً الآن.
لابد من عملية كفوء لصنع سياسات دفاعية وأمنية تكون متوقعة من قبل الشعب، ومنفتحة علي النقاش بين القوي السياسية المختلفة، دون أن يكون لهذا تأثير سلبي علي الجهاز الفني والإداري الذي يدير هذه السياسات. لابد من عملية تحقق المصالح العامة، وتحد من المخاطر التي قد تهدد الدولة. والحقيقة أنه لا يمكن أن توجد في واقع ديمقراطي مثل هذه المؤسسة الدفاعية أو الأمنية الكفوءة الملتزمة بأهدف مجتمعها دون احترام سيادة القانون، وتعزيز الشفافية في هذه المؤسسة، والسماح بمتابعة الأداء فيها، وتشجيع بناء مجتمع مدني حولها يكون قوياً ويدعم وجودها. بدون هذه الضمانات سنكون أمام مؤسسة تضع السياسات العامة علي نحو متعسف، بواسطة بيروقراطية غير مسؤولة، تتحرك ضمن أطر قانونية تفتقر للعدالة، كما أنها حين تنفذ برامجها لا ضمانة علي التزامها باهدافها، ولا حد علي تغول أحد من العاملين فيها بسلطته، وإساءته استخدامها، ولن تستطيع أن تمنع الفساد وممارساته فيها.