الأحد، 12 ديسمبر 2010

من حماية قلة حكم (النظام) إلى حماية المؤسسات الدستورية

من مهام القوات المسلحة حماية الشرعية الدستورية، ويقصد بهذا اللفظ أشياء عديدة، أولها الحفاظ على القيم الدستورية للدولة، واحترامها، وضمان عدم الافتئات عليها، وثانيها الحفاظ على مؤسسات الدولة التى يعينها الدستور من الاعتداء على مهامها ووجودها، وثالثها صيانة التوازن بين المؤسسات التى يقوم عليها بنيان الدولة. والقوات المسلحة حين تقوم بذلك تنتهج آليات حماية للعمليات السياسية تتسم بالتزام الحياد السياسى، وتبدا بإعلان بدعم القوات المسلحة لنتائج العملية السياسية أى كانت، باعتبارها ترجمة للإرادة الشعبية التى تمتثل القوات المسلحة بأمرها. وتؤكد أنها تضمن العملية السياسية فى صيرورتها القانونية واجراءاتها، بدون أى تدخل فى دولاب تداول السلطة.

ومثال ذلك أن تحمى القوات المسلحة وجود انتخابات نزيهة، تعبر بوضوح عن إرادة أغلبية الأمة، والحماية هنا - من منظور الحياد السياسى- تعنى أن يكون الجيش مستعدا إذ ربما تستدعى الحاجة حمايته للانتخابات من ممارسات قلة عنف، أو افتئات فصيل سياسى علي إجراءاتها خروجا على صحيح القانون.

ومؤسسة القوة إذ تقوم بدورها هذا تراعى ان تدخلها للحماية يكون ملاذاً أخيراً، حيث تعطى الاعتبار الواجب لوجود مؤسسات داخلية لها أدوار حددها القانون تختص بدارة وحماية العملية الانتخابية. وعندما نقول ملاذ أخير نقصد بذلك أن جزء من أهمية حماية المؤسسات الدستورية يتأتى من احتمال وجود خطر من داخل المؤسسات نفسها، حين تقع أفعال بعض القطاعات التنفيذية بعيدا عن جادة الدستور، وت ممارساتها معيقة للتداول الحر للسلطة، وبعيدة عن الروح الديمقراطية بغرض ترجيح قلة مهيمنة على حساب الإرادة الشعبية.

وهذا أمر يكاد يكون غير متصور فى الديمقراطيات، لكنه يحدث مرارا وتكرارا للأسف الشديد فى دول الاستبداد، حيث تتكرر وقائع هيمنة الجهاز البيروقراطى على العمليات السياسية واجراءات الانتخابات التى يجرى افسادها. تحيد حركة القطاعات التنفيذية عند تحالفها مع قوة سياسية بعينها وخروجها - وهى الحامية للقوانين والمطبقة له- عن قواعد الحماية التى يفرضها االقانون. أجهزة الإدارة التى تتحيز لقوة مهيمنة وتدير لصالحها عملية تزييف لإرادة الأمة هى بالضورة تعيق قيام البناء الديقراطى السليم، وتضع نفسها فى تحد صرح مع مهمة القوات المسلحة فى حماية الشرعية الدستورية.

أكثر التناقض يحدث من عدم التزام أجهزة الامن الداخلى للحياد، وهى الأجهزة التى تشاطر القوات المسلحة جزء من احتكارها لأدوات العنف (السلاح) وتتمتع بسلطات تبيح لها الايقاف المؤقت للحريات. وهذه الأجهزة سبب طبيعة عملها وحركتها التى تجعلها منخرطة يوميا فى الشئون العامة، وبسبب بنيان هذه الاجهزة الذى قد يشمل وحدات للرقابة على القوى السياسية وتأمين قيادة الدولة، تتورط فى ممارسة أدوار لا حمائية. .بما يهدد صحة العملية. فى الديمقراطيات توضع قوة الأمن طوال فترة العملية الانتخابية تحت سلطة جهة إدارة الانتخابات وهى عادة جهة قضائية مستقلة، لكن ما يحدث فى النظم الاستبدادية انها لا تأتمر بأمر هذه السلطة، وتتخطاها، وتهيمن عليها وتحرص على أن تشكل على نحو ضعيف وغير مستقل. فتخرج الممارسات عن نطاق الحماية المحدد لسلطة الأمن لممارسات الاعاقة والترهيب بل وإدارة أعمال التزوير بنفسها.

والحقيقة أنه عدم انخراط المؤسسة العسكرية ضمن فريق المتحيزين ممن يمثلون بعض المؤسسات العامة، المتورطين فى محاباة فريق سياسى بعينه، والتزامها المسار الحيادى إزاء عملية التنافس السياسى الشرعية، هو الضمانة الأكيدة لصحة العملية السياسية، ويجعل منها صمام أمان دستورى. وحيادها ويقظتها الدستورية يمكناها وبقوة من ترسيخ البناء الديمقراطى عبر وأد أية تطلعات استبدادية لأى فصيل سياسى يدير استراتيجية هيمنة سياسية خروجا على القانون. ففى حال افتئات المؤسسات العامة على صحيح الانتخابات تستطيع القوات المسلحة من منظور حفاظها على الامن القومى ان ترفع راية الاعتراض على الممارسات المخالفة، فذلك من مقتضيات اضطلاعها بدورها فى حماية الشرعية الدستورية.

وقد يرى البعض أن هذا الامر حال وقوعه سيمثل أزمة سياسية، لكن الحقيقة أنه لا يتصور وصول الأمور لحد المواجهة، طالما أن الجيش فى وضعيته المحتكرة لاستخدام أدوات العنف، قد أعلن توجهه بالتزام القواعد الدستورية، وإعلانه الصريح أنه يضمن تحقق الإرادة الشعبية التى تترجمها صناديق الاقتراع.

والمؤسف حقاً أنه فى أغلب الدول النامية تجد أن جذر الاستبداد يبدأ من أرض القوات المسلحة للدولة، التى تتخلى قيادتها عن دورها الحيادى الضامن للديمقراطية. والأمر يتجاوز القادة الافراد، فثمة عيوب هيكلية فى بناء القوات المسلحة، بما يجعل لقوة سياسية وطبقية بعينها قدم الهيمنة عليها ويسهل افقادها قدرتها على الوقوف بعيدا عن جبهة انحياز سياسى. إن منح ثقل القوات المسلحة لفصيل سياسى خلال عملية المنافسة السياسية يهمش القانون، ويجعل عملية المنافسة صورية، ويجعل من إرادة الأمة إرادة وئيدة، ويلغى كل قدرة للمجتمع على الاصحاح الذاتى، وعلى التقدم والنهضة، ويشكل هذا بدوره بيئة مثالية لاحتضان الفساد والاستبداد.

الخميس، 8 أبريل 2010

العسكر والبيروقراط .. عسكرتاريا

مقال آخر لعبد القادر فاروق يتناول سيطرة العسكريين على الجهاز المدني للدولة، نقلا عن كتابه : عريضة اتهام
......

خطيئة المادة (15) ...وكيف سيطر العسكريون على جهاز الخدمة المدنية

يعرف فقهاء القانون، القواعد القانونية الدستورية أو غير الدستورية بأنها "تلك التى تنظم العلاقات الاجتماعية والسياسية فى المجتمع فى فترة تاريخية معينة ووفقا لموازين القوى أو المصالح السائدة فى تلك الفترة، وهى فى الحالة الدستورية أساس تنظيم العلاقات بين سلطات الدولة وصرحيات مؤسساتها، بما يحفظ التوازن بينها ويصون المجتمع وأفراده من تغول واستبداد أحدى هذه السلطات على بقية مؤسسات الدولة".
ومن هنا فإن القواعد القانونية التى يأتى بها الدستور ومشرعوه، ليست خارجه عن سياق الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بل وحتى الثقافية السائدة فى هذا المجتمع أو ذاك ، فى تلك اللحظة التاريخية أو تلك.
لذا فأن تغيير أو تعديل هذه النصوص الدستورية هى من ألزم ضروريات الحياة السياسية التى ينبغى أن تحدث كل فترة صونا للتوازن واعتبارا للمصالح المختلفة بين القوى الاجتماعية المكونة لهذا المجتمع فى كل مرحلة تاريخية.
وقد حرص المشرع الدستورى المصرى عام 1971، على أن يعبر ويعكس حقائق وظروف المجتمع المصرى حينذاك، والتى من أبرزها دور أبناء القوات المسلحة وضباطها فى تحرير الأراضى المصرية التى احتلتها إسرائيل بعد العوان الحادث فى الخامس من يونيه من عام 1967، لذا جاءت بعض مواد الدستور الصادر فى سبتمبر من عام 1971، والسارى حتى يومنا، مانحا بعض الإمتيازات لأفراد وضباط هذه المؤسسة، ارتباطا بالظروف واحتراما للدور الذى سيقوم به هؤلاء فى تحرير الأراضى المصرية المحتلة فى معركة التحرير المتوقعة، برغم ما قد يشوب بعض هذه المزايا من تعارض وتناقض مع جوهر الدساتير المدنية الحديثة والمتعلقة بمبدأ "المساواة بين المواطنين" والذى ورد حصرا فى المادة (40) من ذات الدستور المصرى.
ومن أبرز تلك المزايا والإمتيازات التى خلعها دستور عام 1971 على أفراد القوات المسلحة هو ما جاء فى نص المادة (15) حيث نصت على (للمحاربين القدماء والمصابين فى الحرب أو بسببها ، ولزوجات الشهداء وأبنائهم الأولوية فى فرص العمل وفقا للقانون).
وكان من المفهوم فى الضمير المصرى العام أن هذا الامتياز الذى جاء مناقضا تماما لنص المادة (40) التى نصت على (المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم فى ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة)، ولم يرد المشرع الدستورى من باب أولى أن يأتى بسبب أقل شأنا فى مجال التمييز بين المواطنين وه "سبب الوظيفة أو الدور الاجتماعى".
ومن ثم فإن هذا التناقض المكشوف مع أصل من أصول التشريع الدستورى الحديث، لم يتوقف عنده الضمير المصرى العام بالرفض فى ذلك الحين، اعترافا وإقرارا بالتضحية الجسيمة التى قد يقدمها أفراد القوات المسلحة على مختلف رتبهم العسكرية ومواقعهم القتالية حتى لو كان بعضهم مكانهم فى الغرف المكيفة والمحصنة.
وبالتعبير القانونى فإن هذا الاستثناء الدستورى – من أصل مبدأ المساواة – كان مرتبطا بتوافر شرطين أساسيين هما:
الأول: هو وجود حالة "حرب" وأراضى محتلة تستدعى تقديم تضحيات من كافة أبناء المجتمع عموما، ومن أفراد القوات المسلحة على وجه الخصوص.
الثانى: ضرورة صدور قانون ينظم هذه الحالة فى حدود الضرورة، ولا يتسع فى أوضاعها بما يخرج بها عن مضمونها.
بيد أنه ومنذ أعلن الرئيس السابق "أنور السادات" فى مطلع عام 1974 بأن حرب أكتوبر هى آخر الحروب، وإنقضاء أكثر من ثلاثين عاما على هذه الحرب، دون مشاركة القوات المصرية فى واجبات وطنية لتحرير الأرض المصرية، بل كانت مشاركتها بطلبات من الولايات المتحدة أو بعض العائلات الحاكمة العربية فى السعودية والخليج ، بما يستحيل معه تصور مشاركة أيا من شاغلى الرتب الوسطى أو العليا فى القوات المسلحة المصرية حاليا – رتب اللواء والعميد ومن دونه – فى حرب أكتوبر، فإن الشرط الأول من شروط النص الدستورى الوارد فى المادة (15) لم يعد قائما.
-ومن ناحية أخرى، فإن عدم صدور قانون خاص ينظم ترتيب هذا الحق أو الامتياز الدستورى لما يسمى "المحاربين القدماء" قد أدى عمليا إلى سؤ استغلال المؤسسة العسكرية وقياداتها لنص المادة (19 ) من قانون العاملين المدنيين بالدولة رقم (47) لسنة 1978، والتى حصرتها فى المصابين والشهداء ، ومن ثم انتزاع قرار من الثكنات العسكرية تحت يافطة " الضبط والربط " من ناحية ، كما جرى إهدار الكفاءات القيادية الحقيقية المدنية من ناحية أخرى، فانتشرت قيم اللامبالاة، والإحباط وعدم الرغبة فى الإجادة بين أعداد كبيرة من القيادات المدنية الوسطى ، وغلب الشكل دون الجوهر على الأداء الحكومى، وأصبح هناك ثلاث صور من عمليات الغزو العسكرية
الثالثة: الاستدعاء للخدمة بعد التسريح ثم يتم نقلهم إلى وظائف مدنية.
وعلاوة على ذلك فإن "صندوق معاشات القوات المسلحة" و "صندوق معاشات ضباط الشرطة" اللذين يمولا من الموازنة العامة للدولة ومن دافعى الضرائب المدنيين وغير المدنيين ، يمنح الضابط المتقاعد – من رتبة عقيد فيما أعلى – مبالغ مالية خيالية تبدأ من مائة ألف جنيها وتتدرج صعودا لتصل أحيانا إلى ربع مليون جنيه لقادة الأفرع الرئيسية ومن فى حكمهم.
وهكذا يتحصل هؤلاء على مبالغ ضخمة، ثم يزيد على هذا حصولهم على وظائف قيادية – مديرى عموم ووكلاء ووكلاء أول وزارات ومحافظون ووزراء – فى جهاز الخدمة المدنية والمصالح الحكومية، وأعطيكم مثالا، فأن ضباط مباحث الأموال العامة المتقاعدين كانوا يتولون مناصب قيادية فى وزارات الاقتصاد والتجارة الخارجية والمالية وغيرها ..!!
وخلال ثلاثين عاما من هذه السياسة أصبحت صورة الغزو العسكرى للمؤسسات المدنية والمجالس التشريعية والتمثيلية على النحو التالى:
-السيطرة شبه الكاملة على قمم جهاز الخدمة المدنية فى معظم الوزارات والهيئات العامة.
-السيطرة تماما على مجالس المدن والأحياء والقرى بالحافظات.
-السيطرة على مناصب المحافظين.
-اختراق المؤسسة التشريعية، وتأملوا أداء النواب فى مجلس الشعب ذوى الأصول العسكرية (شرطة أو جيش).
-اختراق جزء ليس بقليل من المؤسسة القضائية منذ عام 1979 وحتى يومنا.
-اختراق الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدنى.
وهكذا أحكمت المؤسسة العسكرية والأمنية قبضتها على رئات العمل التنفيذى المدنى، والتشريعى الرقابى وبعض المؤسسة القضائية.
وقد أدى ذلك إلى تدهور أداء الجهاز الحكومى التنفيذى بسبب عدم تأهل هؤلاء الضباط / القيادات من ناحية وسيادة مناخ من الإحباط بين بقية أفراد جهاز الخدمة المدنية الذين نظروا إلى هؤلاء الضباط باعتبارهم مغتصبون لحقوقهم ووظائفهم المنتظرة من ناحية أخرى.
كما أن ما جرى يمثل إهدارا خطيرا للدستور ومبدأ المساواة وتكافؤ الفرص الوارد فى صلب المادة (40) منه، حيث غالبا ما يجرى شغل العسكريين لتلك الوظائف دون مسابقة لقياس الكفاءة، أو حتى عمل هذه المسابقة استيفاء للشكل دون الموضوع ودون شفافية ، بل يتم الإتيان بهؤلاء هبوطا ا" بالبراشوت" كما يقول ويردد المدنيون.
وقد تبين من التجربة الطويلة أن كثير من هؤلاء العسكريين قد تورطوا بعد شغلهم لوظائفهم الجديدة فى جرائم فساد، ونهب للمال العام بسبب من تصوراتهم المسبقة بأنهم خارج دائرة الحساب والرقابة.
لقد آن الأوان لتحرير مصر من هذه المفاهيم المغلوطة، وهذا الاغتصاب للسلطة والنفوذ ، ولعل تغيير أو حذف المادة (15) من الدستور الراهن أو وضع قيود بشأنها هو أحد مداخل الإصلاح مستقبلا.


المتظاهر والشرطي.. الكلفة المادية للاستبداد

هذا مقتطف من التحليل الذى كتبه عبد القادر فاروق وتعرض بسببه لعنت وتحقيق رغم أنه لم يقل إلا ما تقوله نصوص الميزانيات التي تصدر بقوانين من مجلس الشعب كوثيقة رسمية.. فلنتأمل ما قال الرجل

....

زاد عدد العاملين فى وزارة الداخلية المصرية من أقل من 124 ألف شخص – سواء كانوا من العسكريين أو المدنيين – فى عام 1951 ، إلى حوالى 200 ألف شخص بنهاية عام 1971 ، وبحلول عام 2006 كان عدد العاملين فى وزارة الداخلية قد بلغ حوالى 800 ألف شخص ، جلهم تقريبا من العسكريين . وكلما زاد التوتر الاجتماعى والسياسى – بسبب تفشى مظاهر الظلم الاجتماعى والفساد والاستبداد السياسى – زادت الحاجة إلى قوات أكثر من الأمن والشرطة من أجل قمع حركات الاحتجاج وعمليات العنف التى قد تنشأ من حين إلى أخر كرد فعل لعنف جهاز الدولة سواء بالمعنى الاجتماعى أو البوليسى والأمنى وبخلاف هؤلاء العاملين فى وزارة الداخلية ، فقد تزايد أعداد المجندين فى صفوف قوات الأمن من صفر عام 1970 ، إلى 450 ألف جندى عام 2006 يشكلون ما يسمى قوات ” الأمن المركزى ” الذين يتمركزون فى جميع محافظات الجمهورية ، مهيأين دائما للتصدى بالعنف لأية تحركات احتجاجية ، ويتوزع هؤلاء على حوالى 20 فرقة عسكرية بخلاف عناصر الشئون الإدارية واللوجيستية .
أى أن القوات التابعة لهذه الوزارة تعادل حوالى 1.25 مليون شخص ، وإذا أضفنا إليهم ” المرشدين ” و ” الجواسيس ” القابعين فى كل القطاعات الجنائية والسياسية والذين ينتشرون فى الأحياء السكنية والمصانع والنقابات العمالية والمهنية ، والأحزاب السياسية ، والصحفيين ، وأساتذة الجامعات ، والمدرسين ، وغيرهم من الفئات ، بحيث يشكلون شبكة هائلة لجمع المعلومات ، ونقل الأخبار ويقدر عددهم بنحو 500 ألف إلى 600 ألف شخص فإننا نكون بصدد حوالى 2 مليون شخص يعملون فى مجال الأمن الداخلى .
وهذا الجيش يتركز معظم نشاطه خلال الثلاثين عاما الماضية وبعد تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادى والصلح مع إسرائيل، ومن ثم زيادة التوترات الداخلية، فى مجالات الأمن السياسى بمفهومها الضيق، أى أمن النظام وقياداته، هذا بخلاف الظهير الخلفى المتمثل فى قوات الجيش والتى تزيد عن 650 ألف شخص.
فإذا حسبنا هذا العدد من أفراد الأمن الداخلى – مع استبعاد مؤقت لقوات الجيش – وقارناها بعدد السكان نكتشف الحقائق التالية:
1-أن لدينا فرد أمن واحد لكل 33 مواطنا بمن فيهم الأطفال الرضع.
2-وإذا عرفنا أن عدد من هم فوق سن 15 سنة من السكان يقدر بنحو 44 مواطنا، فيكون لدينا فرد أمن واحد لكل 22 مواطنا.
3-وإذا حسبنا أن عدد المشاركين عموما فى العمل السياسى والعام فى مصر من كافة الأحزاب والجماعات وطلبة الجامعات والمدارس الثانوية – بما فيها الحزب الوطنى الحاكم – بأنهم لا يزيدون عن 6 مليون مواطن، فيكون لدينا فرد أمن واحد لكل ثلاثة مواطنين.
4-أما إذا قدرنا أن عدد المشاركين فى المظاهرات المناهضة للنظام وسياساته سواء فى الجامعات المصرية ، وحركة ” كفاية ” و ” الأخوان المسلمين” وغيرهم بحوالى 2 مليون مواطن سنويا ، فيكون لدينا فرد وربع فرد من الأمن مقابل مواطن واحد من مثيرى المشاكل لدى النظام أو بتعبير أخر عشرة من أفراد الأمن مقابل كل ثمانية من المشاركين فى المشاغبات الأمنية .
5-وإذا كان عدد المشاركين فعليا فى الأنشطة الاحتجاجية للمعارضين – أى المظاهرات – لا يزيدون فى أحسن الأحوال عن عدة آلاف من الأفراد فى المرة الواحدة ، فان من المتصور أن تصل نسبة أفراد الأمن إلى عدد المتظاهرين إلى 20 فرد أمن إلى المتظاهر الواحد .
وقد ترتب على هذه الصورة الواقعية – المصحوبة بدرجة من الهزل – أن زادت المخصصات المالية لوزارة الداخلية المصرية من 1.7 مليون جنية عام 1951 (شاملة النفقات السرية التى بلغت 259 ألف جنية) إلى أن بلغت عام 2005/2006 حوالى 8 مليارات جنية ، بخلاف 20 مليار جنية أخرى مخصصة لوزارة الدفاع.
وبرغم وجود وسائل وأساليب محاسبية عديدة للخداع والتمويه من أجل إخفاء حقيقة المخصصات المالية التى تذهب إلى هاتين الوزارتين – وليس من أسبابها دواعى الأمن القومى – فإننا قد استطعنا تعقب هذه المخصصات من باب إلى باب ، ومن بند إلى بند، وأهمهم على الإطلاق هو ما يسمى ” بند الاعتماد الإجمالى ” و ” المجموعة الرابعة بند 4 نوع 10 ” من الباب الثانى ونستخلص منها النتائج التالية:
1-أن متوسط ما يخصص للمواطن الواحد فى مصر من مخصصات الأمن تعادل 115 جنيها للفرد سنويا ، بينما ما يخصص للفرد من الصحة لا يزيد عن 114 جنيها سنويا وذلك طبقا لموازنة عام 2005/2006 .
2-أما إذا أخذنا فقط بمن هم فوق 15 عاما ، فإن متوسط نصيبه من مخصصات الأمن تعادل حوالى 180 جنيها سنويا . (طبقا لموازنة عام 2005/2006) .
3-فإذا حسبنا هذا المتوسط منسوبا إلى عدد المشاركين فى العمل السياسى والعام فى البلاد ( 6 مليون مواطن ) فأن هذا المتوسط السنوى يعادل 1333 جنيها سنويا (طبقا لموازنة عام 2005/2006) .
4-أما إذا حسبناها مقارنة بعدد المشاغبين ومثيرى الاضطراب – وفقا للمفهوم الحكومى – والمقدر عددهم وفقا لأفضل التقديرات بحوالى 2 مليون مواطن ، فإن نصيب الواحد منهم من مخصصات الأمن تعادل 4 آلاف جنيها فى ذلك العام .

الخميس، 1 أبريل 2010

الجيش.. السيادة.. الديمقراطية.. وجمال مبارك

منذ عدة سنوات قدمت صحيفة الفجر عرضا لكتاب لم ينتبه له الكثيرين حول دور المؤسسة العسكرية فى الحكم فى مصر والجزائر وتركيا كتبه الباحث الأمريكي ستيفن كوك من مجلس الشئون الخارجية تحت عنوان " السيادة وليس الحكم".

المؤسسة العسكرية.. وسر الاخفاء

أشار كوك فى الكتاب لعدة ملاحظات جديرة بالانتباه وإن لم تكن بجديدة، ففى معرض تفسيره للوجود السياسي للمؤسسة العسكرية فى مصر أعاد انتاج مقولات مثل الحكم من وراء الستار والعسكرتاريا وحكم الحرس الروماني، وهى مقولات معروفة فى فرع النظم من العلوم السياسية وذائعة فى تفسير علاقة الجيوش بالحكم خصوصا فى دول الاستبداد. وهى مقولة مفادها أن المؤسسة الأهم فى تشكيل مثل هذه الأنظمة والقوة صاحبة الدور الحاسم فى العملية السياسية هى المؤسسة العسكرية، والتي عادة ما تخفى وجودها وتدخلها فى الحياة المدنية بقبعات الديمقراطية الشكلانية، من برلمان وقوانين ومؤسسات سياسية. لكن فى الحقيقة يبقى دور هذه المؤسسة بمثابة العمود الحامل للمعبد كله، وما يجري فوقه من ألعاب سياسية لا يمنع آداءها للدور الرئيس فى حفظ استقرار تلك النظم الاستبدادية واستمرارها. وبالطبع تلك المؤسسة تعلو فوق كل اعتبار قانوني او مصلحى مع تنامي نفوذها وحسم مسألة القبول بدورها وإقراره عرفا وليس نصاً .

حاول كوك أيضاً أن يضع بعض السيناريوهات لمستقبل الحكم فى مصر من خلال قراءة متفحصة للعلاقات المدنية العسكرية وتورط فى مقارنة مثيرة بين وضع ودور المؤسسة العسكرية فى إيران قبيل الثورة الإسلامية ووضعها فى مصر حاليا فى ظل دولة مبارك الهشة. وحاول معالجة احتمال اندلاع ثورة إسلامية في مصر على شاكلة ثورة الخوميني.. ما دامت الأوضاع المعيشية والسياسية في القاهرة اليوم.. تتشابه في بعض ملامحها مع "طهران الأمس.

يستخدم ستيفن كوك أحد التحليلات المشتهرة فى فهم البيروقراطية التي تقارن بين الأنظمة الرسمية والأنظمة غير الرسمية، والتي تعد سمة ملازمة لنظم الحكم التي تعاني ضعفا شديدا فى مبدأ حكم القانون، وفهم اللارسميات هو مدخل أساسي فى فهم حركة الدولة/الحكومة وما تقدم عليه من أعمال. ويحاول تبرير هذه الشكلانية القانونية وحرص نظام استبدادي ما على الابقاء على مؤسسات وهياكل سياسية عديمة الفاعلية، وهل الغرض هو التباهي والديكور السياسي واقناع الجماهير مخاتلة بأن ثمة هامش ديمقراطي وأن ثمة فرصة فى تطور سياسيى ديمقراطي.

المكسب الأول الذي تحققه هذه الاستعراضات الديمقراطية، هي أنها جزء أساسي من أدوات الدفاع عن النظام.. أما المكسب الثاني، فتحققه لأنظمة الدول التي تدخل المؤسسة العسكرية في حكمها.. فتعفيها من الدخول في تفاصيل إدارة الحكم اليومية.. إن هذه المؤسسات، تساعد الرئيس علي أن يبدو دائما وكأنه يلعب بقواعد الديمقراطية.. ويكتسب شرعية لحكمه.. مسرح سياسي يعده ويقدمه الحزب الحاكم.. كما يظهر مثلا في مصر.. حزب وطني حاكم يرفع شعار مثل "الفكر الجديد وأولويات الإصلاح.".. وأحزاب كثيرة تشترك كلها في مسرحية الديمقراطية.. كلها محاولات من النخبة الحاكمة، غير الديمقراطية، التي تسعي وراء الحصول علي التأييد الشعبي من خلال التظاهر بالديمقراطية.. والانتخابات.. والبرلمان.. ومجالس حقوق الإنسان.. وغيرها من أساليب تخدم النظام في استبعاد مزيد من المنافسين

يؤكد كوك أن الفارق الرئيسي بين النظام الديمقراطي والاستبدادي (السلطوي)، هو أن الأول يعلي مبدأ "سيادة القانون".. بينما يرفع الثاني شعار" السيادة.. بالقانون".. و الفارق أن سيادة القانون تعني وجود قوانين معلنة معمول بها.. وتشريعات محددة.. ومؤسسات واضحة المعالم لانفاذها وصونها.. بينما السيادة بالقانون تعني تلك الحالة التي يتحول فيها القانون إلي أداة للسلطة.. وليس وسيلة لتحقيق العدالة. وقول كوك هذا لا يعدو كونه إعادة انتاج لمقولة ذائعة يجري تداولها لتفسير وفهم لطبيعة البناء القانوني فى مصر وأنه يأتي يصنع "تفصيل" على مقاس ارادة الحكومة، ويتغير وفق هذه الإرادة عبر مهنة صارت تعرف بـ "ترزية القوانين" وهو ثلة من متخصيين مهمتهم سبك إطار قانوني يحمي إرادة السلطة ويمنحها وجها مؤسسيا وقضائيا مقبولا، فى حين أن طريقة وضع القانون لا تعبر عن ارادة جماعية وشعبية.

وفى معرض تناوله لتفسير غياب حكم القانون فى مصر يأخذ مصطلح "السيادة بالقانون" خطوة للإمام.. فيؤكد أن فى بلدان منها مصر تجد قانونا معلنا.. وحوله تلتف عشرات القواعد غير المعلنة.. والتعليمات غير المكتوبةوالاتفاقات الضمنية التي يرتضيها الكل بلا كلام.. خاصة.. في عالم السياسة.. وهو الوضع، الذي يجعل عشرات المؤسسات غير الرسمية علي الساحة السياسية، أحيانا صاحبة التأثير الأكبر والأهم عن مؤسسات تحمل الصبغة الرسمية العلنية، مثل البرلمان، ومجلس الشوري، والانتخابات، ومجالس حقوق الإنسان، وغيرها.

وهو يؤكد ما يعرفي فى نقد المؤسسات السياسية بـ "العجز الديمقراطي" فيقول أن أي قراءة للدستور المصري، أو التركي أو الجزائري، تكشف عن وجود عدة نقاط مشتركة نصوص دساتير الدول الديمقراطية التي تتبني وتطبق "سيادة القانون".. لكن فى هذه البلدان الاستبدادية تجلس مؤسسات وقوي غير منصوص على أدوارها السياسية فى مواضع القيادة والقرار.. وبالطبع تلعب تلك المؤسسات - الخفية من الناحية الدستورية - دورا أكثر تأثيرا من تأثير المؤسسات السياسية الرسمية للدولة.. ويؤكد أنها شكلت عامل حسم في لحظات حاسمة من عمر النظام السياسي. ويؤكد أن مثل هذه القوي غير المعلنة هي الأشد تأثيرا من القوي المعروفة.. وهو ما يزيد من تعقيد أي عملية إصلاح ديمقراطي أمام الكل.


يتعامل كوك مع الجيش - بعيدا عن دوره المهني - على اعتباره أحد المؤسسات السياسية غير الرسمية شديدة الأهمية والحيوية فى تقرير وتسيير أحوال النظام فى مصر .. وجوده السياسي وجود ضرورة ولا غني عنه فى استمرار النظام الاستبدادي، واستمرار سيطرة النخبة الحاكمة، ويتجلي هذا فى اللحظات الحرجةالتي تعجز فيها المؤسسات السياسية الرسمية عن مواجهة تحديات لوجود النظام الحاكم..

الصراع الحقيقي يظل فى استعادة فكرة حكم القانون واعادة السلطة تحت قبة البرلمان وداخل المؤسسات الرسمية للدولة التي تعكس فى بنيانها ونظام عملها وتجنيدها إرادة شعبية.

كانت هذه المقدمات ضرورية لفهم ما هو أهم: إن رسم سيناريو لفكرة تدخل الجيش في الساحة السياسية.. وأن تحدد بدقة متي يمكن للمؤسسة العسكرية أن تمارس نفوذها علي الساحة السياسية، سواء بانقلاب عسكري أو بأي وسيلة أخري.. هو أمر يصعب توقعه.. الواضح فقط أنه في حالات مصر وتركيا والجزائر، فإن المؤسسة العسكرية لا ترغب في السماح لقوي المعارضة بالسيطرة علي مؤسسات الدولة، وإدارة سياستها التي يمكن أن تمهد الطريق لأي تغيير جذري في النظام السياسي الحاكم، الذي يقوم علي أساس سيطرة العسكر.

معضلة الجيش وجمال

السيناريوهان الأكثر شعبية وتداولا بين المحللين والصحفيين فى ظل عدم وجود أى قنوات طبيعية لتداول السلطة الرئاسية هما "سيناريو رجل الجيش" و "سيناريو جمال".. . بالنسبة لجمال مبارك المدني وموقف المؤسسة العسكرية من رئاسته يعجز كوك عن طرح أى رؤية لكيفية حدوث التوافق "العسكري" على رئاسة جمال المدني، ولم يبين صعوبته، ولا التوجهات المختلفة إزاءة بين الافرع الداخلية للمؤسسة العسكرية، قفز على هذه اللحظة ليقول أنه لو وصل جمال إلي الحكم فستنفصل المؤسسة العسكرية عن مؤسسة الرئاسة لأول مرة في تاريخ مصر الحديث..


تؤثر المؤسسة العسكرية في سياسات البلاد.. لكنها تختلف حتما.. وكثيرا.. عن حكم المؤسسات العسكرية في دول أمريكا اللاتينية مثلا.. الأرجنتين وشيلي وبيرو.. تلك الدول التي يلعب فيها الجيش دورا فاعلا ومؤثرا في صناعة الأنظمة الحاكمة أو الانقلاب عليها.. حتي ولو كان ذلك عن طريق صناعة ديكتاتوريات عسكرية حاكمة.. ما يميز المؤسسة العسكرية في مصر أو تركيا أو الجزائر، عن مثيلاتها في دول أمريكا اللاتينية، هي ان ضباطها الزموا أنفسهم بعدم الخوض في تفاصيل إدارة الشئون اليومية للحكم.. والسياسة.. وهو ما أبعدهم عن التورط في تحمل تبعات أخطاء الحكومة.. وأتاح لهم هامش خطأ واسعاً لو اضطروا لإدارة شئون الساحة السياسية في البلاد.

تختلف حالة المؤسسة العسكرية في الدول الثلاث أيضا، عن مثيلتها في إيران قبل الثورة الإسلامية.. التي أدت إلي سقوط نظام الشاه.. هناك نقاط مشتركة بينهم.. فمثلا، كانت المؤسسة العسكرية الإيرانية تتمتع بمكانة عالية.. ولها نفوذ في العديد من جوانب الحياة السياسية حتي تلك البعيدة عن مناطق الأمن القومي والدفاع عن البلاد.. إضافة إلي دورها الرئيسي والأهم، وهو الدفاع عن نظام الحكم.. لكن.. أدت سنوات من تدخل الشاه في شئون الجيش الداخلية، تحسبا لوقوع أي انقلاب عسكري ضده، إلي إضعاف وهز قلب المؤسسة العسكرية، إلي الحد الذي جعلها عاجزة عن التصرف بشكل حاسم وفعال حتي في أوقات الأزمات الكبري.. وترك الشاه إيران منفيا.. وترك الجيش الإيراني من ورائه متهاويا.. عاجزا عن الدفاع عن نظام الحكم في البلاد.. بل.. وأصبح عدد كبير من ضباطه فيما بعد من أنصار ملالي الثورة الإسلامية الذين أطاحوا بحكم الشاه في إيران.

ويقوم بدور دعوي يقول فيه أنه من الواضح فى حال تحول نظام الحكم في مصر إلي نظام مدني، ووصول رئيس مدني إلي السلطة سيؤدي ذلك إلى مؤسسة عسكرية أكثر استقلالا عنه.. وأكثر نشاطا سياسيا..

كما أنه يؤكد على حتمية أن يقيم الرئيس المدني روابط قوية مع المؤسسة العسكرية بما ينجز التوافقات المطلوبة لاتمام انجازاته السياسية وحتى لا يقع الرئيس فى أزمة مع الجيش، خاصة لو تعلق قراره بتغييرات فى هياكل السلطة وتوازناتها التي قد تؤثر علي المصالح الاقتصادية للمؤسسة وميزات أفرادها.. ويؤكد أنه بشكل عام لن يقل تأثير المؤسسة العسكرية علي السياسة ، طالما ظلت القنوات والأدوات التي تؤثر بها هذه المؤسسة في السياسة، مفتوحة وقائمة.

ويقول أنه لا يوجد ما يدعو للظن بأن المؤسسة العسكرية في مصر أو الجزائر أو تركيا، يمكن أن تلقي نفس المصير الذي لاقته المؤسسة العسكرية في إيران.. ولا أن تنهار في أوقات الأزمات والشدائد السياسية.. ويري أن سبب ذلك كامن فى أن قادة المؤسسة العسكرية في الدول الثلاث، قد عملوا بجدية علي منع أي تدخل مدني في شئونهم.. وأثبتوا قدرتهم علي التصرف بشكل جماعي.. موحد.. وحاسم.. في كل مرة لمحوا فيها أي تهديد ممكن، علي استقرار النظام الحاكم في بلادهم.

الاثنين، 1 مارس 2010

السيطرة المدنية في النظام الديمقراطي

نقلا عن موقع

america.gov


قضايا الحرب والسلام هي أكثر القضايا التي يمكن لأي دولة مواجهتها من حيث الأهمية، وفي مثل هذه الأوقات التي تشتد فيها الأزمات، فإن العديد من الدول تلجأ إلى قواتها المسلحة لتتولى زمام القيادة فيها.

لكن ذلك ليس هو الحال في الأنظمة الديمقراطية.

ففي ظل الأنظمة الديمقراطية، فإن قضايا السلام والحرب وغيرها من التهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي هي من الأهمية بمكان بحيث يجب ألا يقررها أحد سوى الشعب عبر ممثليه المنتخبين. والقوات المسلحة في النظام الديمقراطي تقوم بمهمة خدمة البلاد لا قيادتها. والقادة العسكريون يقومون بتقديم المشورة للقادة المنتخبين وتنفيذ قراراتهم. وأولئك القادة المنتخبون من قبل الشعب هم فقط الذين يمتلكون سلطة، ويتحملون مسؤولية، تقرير مصير البلاد.

وبناء على هذا، فإن فكرة سيطرة المؤسسة المدنية على القوات المسلحة تمثل مبدأ جوهرياً من مبادئ الديمقراطية.

· يحتاج المسؤولون المدنيون إلى توجيه القوات المسلحة في بلادهم واتخاذ القرارات إزاء قضايا الدفاع القومي، ليس بالضرورة لأنهم أكثر حكمة من المحترفين العسكريين، ولكن تحديداً لأنهم ممثلو الشعب، ولأنهم كلفوا مسؤولية اتخاذ هذه القرارات باسم الجمهور الذي انتخبهم وهم مسؤولون أمامه عما يتخذون من قرارات.

· إن القوات المسلحة في ظل النظم الديمقراطية موجودة لحماية الدولة وصون حرية الشعوب. فهي لا تمثل أو تساند أي رأي سياسي أو جماعة عرقية أو اجتماعية أو غيرها. إن ولاءها هو للمثل العليا للدولة ولمبادئ الديمقراطية نفسها.

· السيطرة المدنية تضمن أن قيم البلد ومؤسساته وسياساته هي الخيارات الحرة للشعب وليس للقوات المسلحة. إن هدف وجود قوات عسكرية هو حماية المجتمع، لا تعريف هوية هذا المجتمع.

· إن أية حكومة ديمقراطية تقدر خبرة المحترفين العسكريين ومشورتهم في التوصل إلى قرارات سياسية حول الأمن والدفاع القوميين. ولكنه يتعين على القيادة المدنية المنتخبة وحدها اتخاذ القرارات السياسية النهائية، والتي ستقوم القوات المسلحة بدورها بتنفيذها.

· قد تشارك الشخصيات العسكرية، بالطّبع، مشاركة كاملة ومتساوية في الحياة السياسية والاجتماعية لبلدهم مثلهم مثل أي مواطن آخر تماماً، ولكن بصفتهم الشخصية. فإذا ما سعى الموظّفون العسكريون إلى الحصول على مناصب في السلطة السياسية في المجتمع الديمقراطي، فإنه ينبغي عليهم أن يتقاعدوا أولا من الخدمة العسكرية. وينبغي على القوات المسلحة أن تبقى بعيدة ومنفصلة عن العمل السياسي. فالقوات المسلحة هي الخادم المحايد للدولة، وهي حامية المجتمع.

  • وفي النهاية، فإن سيطرة المؤسسة المدنية على الجيش تضمن بأن قضايا الدفاع والأمن القومي لا تعرض المبادىء الأساسية للديمقراطية للخطر، مبادىء مثل حكم الأغلبية، وحقوق الأقلية، وحرية الكلام، والدين والتمتع بالإجراءات القضائية المتبعة. إن مسؤولية جميع القادة السياسيين هي ضمان السيطرة المدنية، كما وأيضا ضمان أن جميع أفراد القوات المسلحة يطيعون الأوامر القانونية الصادرة عن السلطات المدنية.

السبت، 26 ديسمبر 2009

المخابرات والتشريع الأمني من أجل أصلاح قطاع الأمن والدفاع

فى عام 2005 قدم معهد راند اسهاما بارزا فى مسألة تطوير الأطر التشريعية للمخابرات وإصلاح قطاع الأمن والدفاع حيث قدم تقريرا فنيا بعنوان: المخابرات والتشريع الأمني من أجل أصلاح قطاع الأمن والدفاع أعده كل من جريج حنا، وكيفن أوبرين، وآندرو روثميل لصالح الفريق الاستشاري لتطوير قطاع الأمن فى المملكة المتحدة.

يبين التقرير تلك الخيارات الواجب طرحها عند وضع أو تنفيذ اجراءات الرقابة التشريعية على المخابرات والمؤسسات الأمنية. وقد توصل إلى ذلك من خلال مراجعة واسعة للتجارب المختلفة لستة من الدول المتقدمة والنامية.



الجمعة، 25 ديسمبر 2009

من أمن الدولة لأمن الإنسان

يطرح تقرير التنمية الإنسانية العربية فى نسخته الخامسة قضية أمن الإنسان العربى ويقدمها بطرح جديد ومختلف، يحاول هذا التقرير الاجابة عن سؤال طال أمد طرحه حول العقبات التي تعترض سبيل التنمية في المنطقة وهل هي عصيّةً على الحلّ؟

يرى التقرير أن الإجابة تكمن في هشاشة البنى السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية في المنطقة، وفي افتقارها إلى سياسات تنمويّة تتمحور حول الناس، وفي ضعفها حيالَ التدخل الخارجي. وتضافرت هذه العناصر لتقويض أمن الإنسان، وهو الأساس المادي والمعنوي لحماية وضمان الحياة، ومصادر الرزق، ومستوًى من العيش الكريم للأغلبية. ذلك أن أمن الإنسان من مستلزمات التنمية الإنسانية، وقد أدى غيابه على نطاق واسع في البلدان العربية إلى عرقلة مسيرة التقدم فيها.

ويفيد ما يقدمه هذا التقرير من طرح فى عملية مراجعة سياسات الامن القومي العربية، ويعمل على تكامل نواحيها الخارجية والداخلية واضعا فى بؤرة تركيزها المواطن/الانسان العربى. مع دحض الادعاءات الدولاتانيه التي تعيد انتاج الاستبداد عبر مدخل الامن وترديد مقولات الأمن القومي المبتسرة التي تقصر فهمه على أمن الحدود وحماية أراضى الدولة واستقرار نظام الحكم دون أمن المواطن وضمان حياته وصون حرياته ومعاشه. إنه تقرير يتبني مفهوم أمن الانسان كشق ملازم للأمن القومي، هذا التقرير المهم نحتاج لتأمله فى معرض الحديث عن ضرورات اصلاح القطاع الامني والدفاعي، ومقرطته وتطبيق قواعد الحكم الرشيد فيه، فهو معين فى وضع رؤي جيدة لمعني الامن وأولويات المصلحة العامة التي تبرر أنشطة الأمن والدفاع وتوجه لها الموارد العامة.

يقول محررو التقرير: "يؤدي انعدام أمن الانسان – المنتشر وبوطأةٍ شديدة والذي يولِّد في أغلب الأحيان آثارًا تمس جمهرة غفيرة من الناس في المنطقة العربية - إلى تقويض التنمية البشريّة. وتتمثل آثاره في الاحتلال العسكري والنزاعات المسلحة في الأرض الفلسطينية المحتلة والسودان والصومال والعراق. انعدام أمن الانسان لا تخلو منه حتى البلدان التي تتمتع باستقرار نسبيّ، حيث تقوم الدولة المتسلطة، مستندةً إلى الدساتير المنقوصة والقوانين المجحفة بحرمان المواطنين حقوقهم في أغلب الأحيان. ويتعاظم انعدام أمن الإنسان مع تغيرات المناخ السريعة، التي تهدد سبل العيش والدخل وحصول الملايين في البلدان العربية على الغذاء والمياه في المستقبل. وينعكس في المخاطر الاقتصادية التي يعانيها خُمس الناس في بعض هذه البلدان، و أكثر من النصف في بعضها الآخر، حيث يتضافر الجوع والحاجة لدفع الناس إلى الفاقة والموت المبكر. ونتلمس انعدام أمن الإنسان في تنامي شعور الشباب العاطل عن العمل بالاغتراب، وفي المحن التي تواجهها المرأة المنقوصة الحقوق، واللاجئون الذي يعانون قسوة الإقصاء.

المتابعون